فهرس الكتاب

الصفحة 1273 من 4314

و مما ذكره تعالى من دعائه ما دعا به حين قدم إلى أرض مكة وقد أسكن إسماعيل وأمه بها ، قال تعالى:"و إذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير":"البقرة: 162".

يسأل ربه أن يتخذ أرض مكة - وهي يومئذ أرض قفرة وواد غير ذي زرع - حرما لنفسه ليجمع بذلك شمل الدين ، ويكون ذلك رابطة أرضية جسمانية بين الناس وبين ربهم يقصدونه لعبادة ربهم ، ويتوجهون إليه في مناسكهم ، ويراعون حرمته فيما بينهم فيكون ذلك آية باقية خالدة لله في الأرض يذكر الله كل من ذكره ، ويقصده كل من قصده ، وتتشخص به الوجهة ، وتتحد به الكلمة.

والدليل على أنه (عليه السلام) يريد بالأمن الأمن التشريعي الذي هو معنى اتخاذه حرما دون الأمن الخارجي من وقوع المقاتلات والحروب وسائر الحوادث المفسدة للأمن المخلة بالرفاهية قوله تعالى:"أ ولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء":"القصص: 57"فإن في الآية امتنانا عليهم بأمن الحرم وهو المكان الذي احترمه الله لنفسه فاتصف بالأمن من جهة ما احترمه الناس لا من جهة عامل تكويني يقيه من الفساد والقتل ، والآية نزلت وقد شاهدت مكة حروبا مبيدة بين قريش وجرهم فيها ، وكذا من القتل والجور والفساد ما لا يحصى ، وكذا قوله تعالى:"أ ولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم":"العنكبوت: 67"أي لا يتخطفون من الحرم لاحترام الناس إياه لمكان الحرمة التي جعلناها.

وبالجملة كان مطلوبه (عليه السلام) هو أن يكون لله في الأرض حرم تسكنه ذريته ، وكان لا يحصل ذلك إلا ببناء بلد يقصده الناس من كل جانب فيكون مجمعا دينيا يؤمونه بالسكونة واللواذ والزيارة إلى يوم القيامة فلذلك سأل أن يجعله بلدا آمنا ، وقد كان غير ذي زرع فسأل أن يرزقهم من الثمرات حتى يعمر بسكانه ولا يتفرقوا منه.

ثم لما أحس أن دعاءه بهذا التشريف يشمل المؤمن والكافر قيد مسألته بإيمان المدعو لهم بالله واليوم الآخر فقال:"من آمن منهم بالله واليوم الآخر"وأما أن ذلك كيف يمكن في بلد لو اتفق أن يسكن فيه المؤمنون والكفار معا واختلفوا ، أو إذا قطن فيه الكفار فقط؟ وكيف يرزقون من الثمرات والأرض بطحاء غير ذي زرع؟ فلم يتعرض له في مسألته.

وهذا من أدبه (عليه السلام) في مقام الدعاء فإن من فضول القول أن يعلم الداعي ربه كيف يقضي حاجته؟ وما هو الطريق إلى إجابة مسألته؟ وهو رب عليم حكيم قدير إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون.

لكن الله سبحانه إذ كان يريد أن يقضي حاجته على السنة الجارية في الأسباب العادية ولا يفرق فيها بين المؤمن والكافر تمم دعاءه (عليه السلام) بما قيد به كلامه من قوله:"و من كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير".

وهذا الدعاء الذي أدى إلى تشريع الحرم الإلهي وبناء الكعبة المقدسة التي هي أول بيت وضع للناس ببكة مباركة وهدى للعالمين هو إحدى ثمرات همته العالية المقدسة التي امتن به على من بعده من المسلمين إلى يوم القيامة.

ومما دعا (عليه السلام) دعاؤه في آخر عمره على ما حكاه الله تعالى بقوله:"و إذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ، رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ، ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ، ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء ، الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء ، ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب":"إبراهيم: 41".

وهذا مما دعا (عليه السلام) به في أواخر عمره الشريف وقد بنيت بلدة مكة ، والدليل عليه قول فيه:"الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق"وقوله:"اجعل هذا البلد آمنا"ولم يقل كما في دعائه السابق:"و اجعل هذا بلدا آمنا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت