فهرس الكتاب

الصفحة 1275 من 4314

يقول لبنيه إن مداومتي على ذكر يوسف شكاية مني سوء حالي إلى الله ولست بائس من رحمة ربي أن يرجعه إلي من حيث لا يحتسب ، وذلك أن من أدب الأنبياء مع ربهم أن يتوجهوا في جميع أحوالهم إلى ربهم ويوردوا عامة حركاتهم وسكناتهم في سبيله فإن الله سبحانه ينص على أنه هداهم إليه صراطا مستقيما قال:"أولئك الذين هدى الله":"الأنعام: 90"وقال في خصوص يعقوب:"و وهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا":"الأنعام: 84"ثم ذكر أن اتباع الهوى ضلال عن سبيل الله فقال تعالى:"و لا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله":"ص: 26".

فالأنبياء وهم المهديون بهداية الله لا يتبعون الهوى البتة فعواطفهم النفسانية وأميالهم الباطنية من شهوة أو غضب أو حب أو بغض أو سرور أو حزن مما يتعلق بمظاهر الحياة من مال وبنين ونكاح ومأكل وملبس ومسكن وغير ذلك كل ذلك واقعة في سبيل الله لا يقصدون به إلا الله جلت عظمته فإنما هما سبيلان مسلوكان سبيل يتبع فيه الحق وسبيل يتبع فيه الهوى ، وإن شئت قلت: سبيل ذكر الله وسبيل نسيانه.

والأنبياء (عليهم السلام) إذ كانوا مهديين إلى الله لا يتبعون الهوى كانوا على ذكر من ربهم لا يقصدون بحركة أو سكون غيره تعالى ، ولا يقرعون بحاجة من حوائج حياتهم باب غيره من الأسباب بمعنى أنهم إذا تعلقوا بسبب لم ينسهم ذلك ربهم وأن الأمر إليه تعالى لا أنهم ينفون الأسباب نفيا مطلقا لا يبقى مع ذلك لها وجود في التصور مطلقا فإن ذلك مما لا مطمع فيه ، ولا أنهم يرون ذوات الأشياء وينفون عنها وصفة السببية فإن في ذلك خروجا عن صراط الفطرة الإنسانية بل التعلق به أن لا يرى لغيره استقلالا ، ويضع كل شيء موضعه الذي وضعه الله فيه.

وإذ كان حالهم (عليهم السلام) ما ذكرنا من تعلقهم بالله حق التعلق تمكن منهم هذا الأدب الإلهي أن يراقبوا مقام ربهم ويراعوا جانب ربوبيته فلا يقصدوا شيئا إلا لله ، ولا يتركوا شيئا إلا لله ، ولا يتعلقوا بسبب إلا وهم متعلقون بربهم قبله ومعه وبعده ، فهو غايتهم على كل حال.

فقوله (عليه السلام) :"إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله"يريد به أن ذكري المستمر ليوسف وأسفي عليه ليس على حد ما يلغو أحدكم إذا أصابته مصيبة ففقد نعمة من نعم الله فيذكرها لمن لا يملك منه نفعا ولا ضرا بجهل منه ، وإنما ذلك شكوى مني إلى الله فيما دخلني من فقد يوسف ، وليس ذلك مسألة مني في أمر لا يكون فإني أعلم من الله ما لا تعلمون.

ومن ذلك ما حكاه الله عن يوسف الصديق حين هددته امرأة العزيز بالسجن إن لم يفعل ما كانت تأمره به:"قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين":"يوسف: 33".

يذكر (عليه السلام) لربه أن أمره يدور عندهن في موقفه ذاك بين السجن وبين إجابتهن إلى ما يسألنه ، وأنه بعلمه الذي أكرمه الله به ، وهو المحكي عنه في قوله تعالى:"و لما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما":"يوسف: 22"يختار السجن على إجابتهن غير أن الأسباب منضودة على طبق ما يرجونه منه قوية غالبة فهي تهدده بالجهل بمقام ربه وإبطال ما عنده من العلم بالله ، ولا حكم في ذلك إلا له تعالى كما قال لصاحبه في السجن:"إن الحكم إلا لله":"يوسف: 40"ولذلك تأدب ع ولم يذكر لنفسه حاجة لأنه حكم بنحو ، بل لوح إلى تهديد الجهل إياه بإبطال نعمة العلم الذي أكرمه بها ربه ، وذكر أن نجاته من مهلكة الجهل واندفاع كيدهن تتوقف إلى صرفه تعالى فسلم الأمر إليه وسكت.

فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن وهو الصبوة وإلا فالسجن فتخلص من السجن والصبوة جميعا ، ومنه يعلم أن مراده من كيدهن هو الصبوة والسجن جميعا ، وأما قوله (عليه السلام) :"رب السجن أحب إلي ، إلخ"فإنما هو تمايل قلبي إلى السجن على تقدير تردد الأمر وكناية عن النفرة والمباغضة للفحشاء وليس بسؤال منه للسجن كما قال (عليه السلام) : الموت أولى من ركوب العار. والعار أولى من دخول النار. لا كما ربما يظن أنه سأل بذلك السجن فقضي له به ، والدليل على ما ذكرناه قوله تعالى بعده:"ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين":"يوسف: 35"لظهور الآية أن سجنه كان عن رأي بدا لهم بعد ذلك ، وقد كان الله سبحانه صرف عنه قبل ذلك بالدعوة إلى أنفسهن والتهديد بالسجن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت