فهرس الكتاب

الصفحة 1276 من 4314

و منه ما حكى الله سبحانه من ثنائه ودعائه (عليه السلام) حيث قال:"فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ، ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم ، رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين":"يوسف: 110".

فليتدبر الباحث فيما يعطيه الآيات من أدب النبوة وليمثل عنده ما كان عليه يوسف (عليه السلام) من الملك ونفوذ الأمر وما كان عليه أبواه من توقان النفس إلى لقائه ، وما كان عليه إخوته من التواضع وهم جميعا على ذكر من تاريخ حياته من حين فقدوه إلى حين وجدوه وهو عزيز مستو على عرش العزة والهيمنة.

لم يشق (عليه السلام) فما بكلام إلا ولربه فيه نصيب أو كل النصيب إلا ما أصدره من الأمر بقوله:"ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين"فأمرهم بالدخول وحكم لهم بالأمن ، ولم يستتم الكلام حتى استثنى فيه بمشيئة الله لئلا يوهم الاستقلال في الحكم دون الله ، وهو (عليه السلام) القائل:"إن الحكم إلا لله".

ثم شرع في الثناء على ربه فيما جرى عليه منذ فارقهم إلى أن اجتمع بهم وبدأ في ذلك بقصة رؤياه وتحقق تأويلها وصدق فيه أباه لا فيما عبرها به فقط بل حتى فيما ذكره في آخر كلامه من علم الله وحكمته توغلا منه في الثناء على ربه حيث قال له أبوه:"و كذلك يجتبيك ربك ويعلمك - إلى أن قال - إن ربك عليم حكيم":"يوسف: 6"وقال له يوسف هاهنا بعد ما صدقه فيما عبر به رؤياه:"إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم":"يوسف: 100".

ثم أشار إلى إجمال ما جرى عليه ما بين رؤياه وتأويلها فنسبها إلى ربه ووصفها بالحسن وهو من الله إحسان ، ومن ألطف أدبه توصيفه ما لقي من إخوته حين ألقوه في غيابة الجب إلى أن شروه بثمن بخس دراهم معدودة ، واتهموه بالسرقة بقوله:"نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي".

ولم يزل يذكر نعم ربه ويثني عليه ويقول: ربي وربي حتى غشيه الوله وأخذته جذبة إلهية فاشتغل بربه وتركهم كأنه لا يعرفهم ، وقال:"رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث ، فأثنى على ربه بحاضر نعمه عنده ، وهو الملك والعلم بتأويل الأحاديث ، ثم انتقلت نفسه الشريفة من ذكر النعم إلى أن ربه الذي أنعم عليه بما أنعم لأنه فاطر السماوات والأرض ، ومخرج كل شيء من العدم البحت إلى الوجود من غير أن يكون لشيء من الأشياء جدة من نفسه يملك به ضرا أو نفعا أو نعمة أو نقمة أو صلاحية أن يدبر أمر نفسه في دنيا أو آخرة."

وإذ كان فاطر كل شيء فهو ولي كل شيء ، ولذلك ذكر بعد قوله:"فاطر السماوات والأرض"أنه عبد داخر لا يملك تدبير نفسه في دنيا ولا آخرة بل هو تحت ولاية الله سبحانه يختار له من الخير ما يشاء ويقيمه أي مقام أراد فقال:"أنت وليي في الدنيا والآخرة"وعندئذ ذكر ما له من مسألة يحتاج فيها إلى ربه وهو أن ينتقل من الدنيا إلى الآخرة وهو في حال الإسلام إلى ربه على حد ما منحه الله آباءه إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب قال تعالى:"و لقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ، إذ قال له ربه أسلم - وهو الاصطفاء - قال أسلمت لرب العالمين ، ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون":"البقرة: 123".

وهو قوله:"توفني مسلما وألحقني بالصالحين"يسأل التوفي على الإسلام ثم اللحوق بالصالحين ، وهو الذي سأله جده إبراهيم (عليه السلام) بقوله:"رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين":"الشعراء: 83"فأجيب إليه كما في الآيات المذكورة آنفا وهذا آخر ما ذكر الله من حديثه وختم به قصته ، وأن إلى ربك المنتهى ، وهذا مما في السياقات القرآنية من عجيب اللطف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت