و من ذلك ما حكاه الله سبحانه عن نبيه موسى (عليه السلام) في أوائل نشوئه بمصر حين وكز القبطي فقضى عليه:"قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم":"القصص: 16"وقوله حين فر من مصر فبلغ مدين وسقى لابنتي شعيب ثم تولى إلى الظل فقال:"رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير":"القصص: 24".
وقد استعمل (عليه السلام) في مسألتيه من الأدب بعد الالتجاء بالله والتعلق بربوبيته أن صرح في دعائه الأول بالطلب لأنه كان متعلقا بالمغفرة والله سبحانه يحب أن يستغفر كما قال:"و استغفروا الله إن الله غفور رحيم":"البقرة: 199"وهو الذي دعا إليه نوح فمن بعده من الأنبياء (عليهم السلام) ، ولم يصرح بحاجته بعينه في دعائه الثاني الذي ظاهره بحسب دلالة المقام أنه كان يريد رفع حوائج الحياة كالغذاء والمسكن مثلا بل إنما ذكر الحاجة ثم سكت ، فما للدنيا عند الله من قدر.
واعلم أن قوله (عليه السلام) :"رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي"يجري في الاعتراف بالظلم وطلب المغفرة مجرى قول آدم وزوجته:"ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين"بمعنى أن المراد بالظلم هو ظلمه على نفسه لاقترافه عملا يخالف مصلحة حياته كما أن الأمر كان على هذا النحو في آدم وزوجته.
فإن موسى (عليه السلام) إنما فعل ما فعل قبل أن يبعثه الله بشريعته الناهية عن القتل وإنما قتل نفسا كافرة غير محترمة ، ولا دليل على وجود النهي عن مثل هذا القتل قبل شريعته وكان الأمر في عصيان آدم وزوجته على هذه الوتيرة فقد ظلما أنفسهما بالأكل من الشجرة قبل أن يشرع الله شريعة بين النوع الإنساني فإنما أسس الله الشرائع كائنة ما كانت بعد هبوطهما من الجنة إلى الأرض.
ومجرد النهي عن اقتراب الشجرة لا دليل على كونه مولويا مستلزما لتحقق المعصية المصطلحة بمخالفته ، مع أن القرائن قائمة على كون النهي المتعلق بهما إرشاديا كما في آيات سورة طه على ما بيناه في تفسير قصة جنة آدم في الجزء الأول من الكتاب.
على أن الكتاب الإلهي نص في كون موسى (عليه السلام) مخلصا ، وأن إبليس لا سبيل له إلى إغواء المخلصين من عباد الله تعالى ومن الضروري أن لا معصية بدون إغواء إبليس قال الله تعالى:"و اذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا":"مريم: 51"وقال تعالى""قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين":"ص: 83"."
ومن هنا يظهر أن المراد بالمغفرة المسئولة في دعائه كما في دعائهما" (عليهما السلام) "ليست هي إمحاء العقاب الذي يكتبه الله على المجرمين كما في المعاصي المولوية بل إمحاء الآثار السيئة التي كان يستتبعها الظلم على النفس في مجرى الحياة فقد كان موسى (عليه السلام) يخاف أن يفشو أمره ويظهر ما هو ذنب له عندهم فسأله تعالى أن يستر عليه ويغفره ، والمغفرة في عرف القرآن أعم من إمحاء العقاب بل هي إمحاء الأثر السيىء كائنا ما كان ، ولا ريب أن أمر الجميع بيد الله سبحانه.
ونظير هذا من وجه قول نوح (عليه السلام) فيما تقدم من دعائه"و إلا تغفر لي وترحمني"أي وإن لم تؤدبني بأدبك ، ولم تعصمني بعصمتك ووقايتك وترحمني بذلك أكن من الخاسرين ، فافهم ذلك.
ومنه دعاؤه (عليه السلام) أول ما ألقي إليه الوحي وبعث بالرسالة إلى قومه على ما حكاه الله قال تعالى: "قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا":"طه: 35".