فهرس الكتاب

الصفحة 1279 من 4314

و من دعاء موسى ما حكاه الله عنه في قوله:"و اختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أ تهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين ، واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك:"الأعراف: 165"."

يبتدىء الدعاء من قوله:"فاغفر لنا ، إلخ"غير أن الموقف لما كان موقفا صعبا قد أخذهم الغضب الإلهي والبطش الذي لا يقوم له شيء ، وما مسألة المغفرة والرحمة من سيد ساخط قد هتكت حرمته وأهين على سؤدده كمسألة من هو في حال سوي فلذلك قدم (عليه السلام) ما تسكن به فورة الغضب الإلهي حتى يتخلص إلى طلب المغفرة والرحمة.

فقال:"رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي"يريد (عليه السلام) - كما تدل عليه قرينة المقام - رب إن نفسي ونفوسهم جميعا قبض قدرتك ، وطوع مشيئتك ، لو شئت أهلكتهم وأنا فيهم قبل اليوم كما أهلكتهم اليوم وأبقيتني فما ذا أقول لقومي إذا رجعت إليهم واتهموني بأني قتلتهم ، وحالهم ما أنت أعلم به؟ وهذا يبطل دعوتي ويحبط عملي.

ثم عد (عليه السلام) إهلاك السبعين إهلاكا له ولقومه فذكر أنهم سفهاء من قومه لا يعبأ بفعلهم فأخذ ربه برحمته حيث لم يكن من عادته تعالى أن يهلك قوما بفعل السفهاء منهم ، وليس ذلك إلا موردا من موارد الامتحان العام الذي لا يزال جاريا على الإنسان فيضل به كثير ، ويهتدي به كثير ، ولم تقابلها إلا بالصفح والستر.

وإذ كان بيدك أمر نفسي ونفوسنا تقدر على إهلاكنا متى شئت ، وكانت هذه الواقعة غير بدع في مسير امتحانك العام الذي يعقب ضلال قوم وهداية آخرين ، ولا ينتهي إلا إلى مشيئتك فأنت ولينا الذي يقوم بأمرك ومشيئتك تدبير أمورنا ، ولا صنع لنا فيها فاقض فينا بالمغفرة والرحمة فإن من جملة صفاتك أنك خير الغافرين ، واكتب لنا في هذه الدنيا عيشة آمنة من العذاب وهي التي يستحسنها من أحاط به غمر السخط الإلهي ، وفي الآخرة حسنة بالمغفرة والجنة.

وهذا ما ساقه (عليه السلام) في مسألته ، وقد أخذتهم الرجفة وشملتهم البلية فانظر كيف استعمل جميل أدب العبودية واسترحم ربه ، ولم يزل يستوهب الرحمة ، ويسكن بثنائه فورة السخط الإلهي حتى أجيب إلى ما لم يذكره من الحاجة بين ما ذكره ، وهو إعادة حياتهم إليهم بعد الإهلاك ، وأوحي إليه بما حكاه الله تعالى:"قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون":"الأعراف: 165"فما ظنك به تعالى بعد ما قال لموسى (عليه السلام) جوابا لمسألته:"و رحمتي وسعت كل شيء".

وقد ذكر تعالى صريح عفوه عن هؤلاء ، وإجابته إلى مسألته موسى (عليه السلام) بإعادة الحياة إليهم وقد أهلكوا وردهم إلى الدنيا بقوله:"و إذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ، ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون:"البقرة: 56"ويقرب من ذلك ما في سورة النساء."

وقد استعمل (عليه السلام) من الأدب في كلامه حيث قال:"تضل بها من تشاء"لم يذكر أن ذلك من سوء اختيار هؤلاء الضالين لينزهه تعالى لفظا كما كان ينزهه قلبا فيكون على حد قوله تعالى:"يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين":"البقرة: 26"لأن المقام كان يصرفه عن التعرض إلا لكونه تعالى وليا على الإطلاق ينتهي إليه كل التدبير لا غير.

ولم يورد في الذكر أيضا عمدة ما في نفسه من المسألة وهو أن يحييهم الله سبحانه بعد الإهلاك لأن الموقف على ما كان فيه من هول وخطر كان يصرفه عن الاسترسال ، وإنما أشار إليه إشارة بقوله:"رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ، إلخ".

ومن دعائه (عليه السلام) ما دعا به حين رجع إلى قومه من الميقات فوجدهم قد عبدوا العجل من بعده ، وقد كان الله سبحانه أخبره بذلك قال تعالى"و ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه ، قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين":"الأعراف: 105"فعند ذلك رق له ودعا له ولنفسه ليمتازا بذلك من القوم الظالمين:"قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين":"الأعراف: 115".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت