فهرس الكتاب

الصفحة 1280 من 4314

و لم يكن يريد التميز منهم وأن يدخلهما الله في رحمته إلا لما كان يعلم أن الغضب الإلهي سينال القوم بظلمهم كما ذكره الله بقوله بعد ذلك:"إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا":"الأعراف: 125"ويعرف بما تقدم وجوه من الأدب في كلامه.

ومن دعائه (عليه السلام) - وهو في معنى الدعاء على قومه إذ قالوا له حين أمرهم بدخول الأرض المقدسة:"يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون":"المائدة: 24"- ما حكاه الله تعالى بقوله:"قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين":"المائدة: 25".

وقد أخذ (عليه السلام) بالأدب الجميل حيث كنى عن الإمساك عن أمرهم وتبليغهم أمر ربهم ثانيا بعد ما جبهوا أمره الأول بأقبح الرد وأشنع القول بقوله:"رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي"أي لا يطيعني فيما أمرته إلا نفسي وأخي أي إنهم ردوا علي بما لا مطمع فيهم بعده ، فها أنا أكف عن أمرهم بأمرك وإرشادهم إلى ما فيه صلاح جماعتهم.

وإنما نسب ملك نفسه وأخيه إلى نفسه لأن مراده من الملك بقرينة المقام ملك الطاعة ولو كان هو الملك التكويني لم ينسبه إلى نفسه إلا مع بيان أن حقيقته لله سبحانه ، وإنما له من الملك ما ملكه الله إياه ، ولما عرض لربه من نفسه الإمساك واليأس عن إجابتهم إليه أحال الحكم في ذلك فقال:"فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين".

ومن ذلك ما دعا به شعيب (عليه السلام) على قومه إذ قال:"ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين":"الأعراف: 89".

وهذا استنجاز منه للوعد الإلهي بعد ما يئس من نجاح دعوته فيهم ، ومسألة للقضاء بينه وبينهم بالحق على ما قاله الله تعالى:"و لكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون":"يونس: 48".

وإنما قال"بيننا"لأنه ضم المؤمنين به إلى نفسه ، وقد كان الكافرون من قومه هددوا إياه والمؤمنين به جميعا إذ قالوا:"لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا":"الأعراف: 88"فضمهم إلى نفسه وهاجر قومه في عملهم وسار بهم إلى ربه وقال:"ربنا افتح بيننا ، إلخ".

وقد استمسك في دعائه باسمه الكريم:"خير الفاتحين"لما مر أن التمسك بالصفة المناسبة لمتن الدعاء تأييد بالغ بمنزلة الإقسام ، وهذا بخلاف قول موسى (عليه السلام) :"رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين"المنقول آنفا لما تقدم أن لفظه ع ليس بدعاء حقيقة بل هو كناية عن الإمساك عن الدعوة وإرجاع للأمر إلى الله فلا مقتضى للإقسام بخلاف قول شعيب.

ومن ذلك ما حكاه الله من ثناء داود وسليمان (عليهما السلام) قال تعالى:"و لقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين":"النمل: 15".

وجه الأدب في حمدهما وشكرهما ونسبة ما عندهما من فضيلة العلم إلى الله سبحانه ظاهر ، فلم يقولا مثل ما حكى عن غيرهما كقول قارون لقومه إذ وعظوه أن لا يستكبر في الأرض بماله:"إنما أوتيته على علم عندي":"القصص: 78"وكما حكى الله عن قوم آخرين:"فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون":"المؤمن: 83".

ولا ضير في الحمد على تفضيل الله إياهما على كثير من المؤمنين فإنه من ذكر خصوص النعمة وبيان الواقع ، وليس ذلك من التكبر على عباد الله حتى يلحق به ذم ، وقد ذكر الله عن طائفة من المؤمنين سؤال التفضيل ومدحهم على علو طبعهم وسمو همتهم حيث قال:"و الذين يقولون ربنا - إلى أن قال - واجعلنا للمتقين إماما":"الفرقان: 74".

ومن ذلك ما حكاه عن سليمان (عليه السلام) في قصة النملة بقوله:"حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون ، فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين":"النمل: 19".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت