ذكرته النملة بما قالته ما له من الملك العظيم الذي شيدت أركانه بتسخير الريح تجري بأمره ، والجن يعملون له ما يشاء والعلم بمنطق الطير وغيره غير أن هذا الملك لم يقع في ذكره (عليه السلام) في صورة أجلى أمنية يبلغها الإنسان كما فينا ولم ينسه عبوديته ومسكنته بل إنما وقع في نفسه في صورة نعمة أنعمها عليه ربه فذكر ربه ونعمته أنعمها عليه وعلى والديه بما خصهم به ، وهو من مثله (عليه السلام) والحال هذا الحال أفضل الأدب مع ربه.
وقد ذكر نعمة ربه ، وهي وإن كانت كثيرة في حقه غير أن مورد نظره (عليه السلام) والمقام ذاك المقام - هو الملك العظيم والسلطة القاهرة ، ولذلك ذكر العمل الصالح وسأل ربه أن يوزعه ليعمل صالحا لأن العمل الصالح والسيرة الحسنة هو المطلوب ممن استوى على عرش الملك.
فلذلك كله سأل ربه أولا أن يوزعه على شكر نعمته ، وثانيا أن يعمل صالحا ، ولم يرض بسؤال العمل الصالح دون أن قيده بقوله:"ترضاه"فإنه عبد لا شغل له بغير ربه ولا يريد الصالح من العمل إلا لأن ربه يرضاه ، ثم تمم مسألة التوفيق لصلاح العمل بمسألة صلاح الذات فقال:"و أدخلني برحمتك في عبادك الصالحين".
ومن ذلك ما حكاه الله عن يونس (عليه السلام) وقد دعا به وهو في بطن الحوت الذي التقمه قال تعالى:"و ذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين":"الأنبياء: 87".
كان (عليه السلام) - على ما يقصه القرآن - قد سأل ربه أن ينزل على قومه العذاب فأجابه إلى ذلك فأخبرهم به فلما أشرف عليهم العذاب بالنزول تابوا إلى ربهم فرفع عنهم العذاب ، ولما شاهد يونس ذلك ترك قومه ، وذهب لوجهه حتى ركب السفينة فاعترضها حوت فساهمهم في أن يدفعوا الحوت بإلقاء رجل منهم إليه ليلتقمه وينصرف عن الباقين ، فخرجت القرعة باسمه فألقي في البحر فالتقمه الحوت فكان يسبح الله في بطنه إلى أن أمره الله أن يلقيه إلى ساحل البحر ، ولم يكن ذلك إلا تأديبا إلهيا يؤدب به أنبياءه على حسب ما يقتضيه مختلف أحوالهم ، وقد قال تعالى:"و لو لا أنه كان من المسبحين ، للبث في بطنه إلى يوم يبعثون":"الصافات: 144"فكان حاله في تركه العود إلى قومه وذهابه لوجهه يمثل حال عبد أنكر على ربه بعض عمله فغضب عليه فأبق منه وترك خدمته وما هو وظيفة عبوديته فلم يرتض الله له ذلك فأدبه فابتلاه وقبض عليه في سجن لا يقدر فيه أن يتوسع قدر أنملة في ظلمات بعضها فوق بعض فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
ولم يكن ذلك كله إلا لأن يتمثل له على خلاف ما كان يمثله حاله أن الله سبحانه قادر على أن يقبض عليه ويحبسه حيث شاء ، وأن يصنع به ما شاء فلا مهرب من الله سبحانه إلا إليه ، ولذلك لقنه الحال الذي تمثل له وهو في سجنه من بطن الحوت أن يقر لله بأنه هو المعبود الذي لا معبود غيره ، ولا مهرب عن عبوديته فقال:"لا إله إلا أنت"ولم يناده تعالى بالربوبية ، وهذا أوحد دعاء من أدعية الأنبياء (عليهم السلام) لم يصدر باسم الرب.
ثم ذكر ما جرى عليه الحال من تركه قومه إثر عدم إهلاكه تعالى إياهم بما أنزل عليهم من العذاب فأثبت الظلم لنفسه ونزه الله سبحانه عن كل ما فيه شائبة الظلم والنقص فقال:"سبحانك إني كنت من الظالمين".
ولم يذكر مسألته - وهي الرجوع إلى مقامه العبودي السابق - عدا لنفسه دون لياقة الاستعطاء واستحقاق العطاء استغراقا في الحياء والخجل ، والدليل على مسألته قوله تعالى بعد الآية السابقة:"فاستجبنا له ونجيناه من الغم":"الأنبياء: 88".
والدليل على أن مسألته كانت هي الرجوع إلى سابق مقامه قوله تعالى:"فنبذناه بالعراء وهو سقيم ، وأنبتنا عليه شجرة من يقطين ، وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون ، فآمنوا به فمتعناهم إلى حين":"الصافات: 184".
ومن ذلك ما ذكره الله تعالى عن أيوب (عليه السلام) بعد ما أزمنه المرض وهلك عنه ماله وولده حيث قال:"و أيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين":"الأنبياء: 83".