فهرس الكتاب

الصفحة 1282 من 4314

وجوه التأدب فيه ظاهرة مما تقدم بيانه ، ولم يذكر (عليه السلام) حاجته صريحا على حد ما تقدم من أدعية آدم ونوح وموسى ويونس (عليهما السلام) هضما لنفسه واستحقارا لأمره ، وأدعية الأنبياء كما تقدم ويأتي خالية عن التصريح بالحاجة إذا كان مما يرجع إلى أمور الدنيا وإن كانوا لا يريدون شيئا من ذلك اتباعا لهوى أنفسهم.

وبوجه آخر ذكره السبب الباعث إلى المسألة كمس الضر والصفة الموجودة في المسئول المطمعة للسائل في المسألة ككونه تعالى أرحم الراحمين ، والسكوت عن ذكر نفس الحاجة ، أبلغ كناية عن أن الحاجة لا تحتاج إلى ذكر فإن ذكرها يوهم أن الأسباب المذكورة ليست بكافية في إثارة رحمة من هو أرحم الراحمين بل يحتاج إلى تأييد بالذكر وتفهيم باللفظ.

ومن ذلك ما حكاه عن زكريا (عليه السلام) : حيث قال:"ذكر رحمة ربك عبده زكريا ، إذ نادى ربه نداء خفيا ، قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا ، وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا ، يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا":"مريم: 6".

إنما حثه على هذا الدعاء ورغبه في أن يستوهب ولدا من ربه ما شاهده من أمر مريم ابنة عمران في زهدها وعبادتها ، وما أكرمها الله سبحانه به من أدب العبودية ، وخصها به من كرامة الرزق من عنده على ما يقصه الله تعالى في سورة آل عمران قال تعالى:"و كفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ، هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء":"آل عمران: 38".

فغشيه شوق شديد إلى ولد طيب صالح يرثه ويعبد ربه عبادة مرضية كما ورثت مريم عمران وبلغت جهدها في عبادة ربها ونالت منه الكرامة غير أنه وجد نفسه وقد نال منه الشيب ، وانهدت منه القوى ، وكذلك امرأته وقد كانت عاقرة في سني ولادتها فأدركته من حسرة الحرمان من نعمة الولد الطيب الرضي ما الله أعلم به ، لكن لم يملك نفسه مما هاج فيه من الغيرة الإلهية والاعتزاز بربه دون أن رجع إلى ربه وذكر له ما يثور به الرحمة والحنان من حاله أنه لم يزل عالقا على باب العبودية والمسألة منذ حداثة سنه حتى وهن عظمه واشتعل رأسه شيبا ، ولم يكن بدعائه شقيا ، وقد وجده سبحانه سميع الدعاء فليسمع دعاءه وليهب له وارثا رضيا.

والدليل على ما ذكرنا أنه إنما سأل ما سأل بما ملك نفسه من هيجان الوجد والحزن ما حكاه الله تعالى عنه بعد ما أوحي إليه بالاستجابة بقوله:"قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا ، قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا":"مريم: 9"فإنه ظاهر في أنه (عليه السلام) لما سمع الاستجابة صحا عن حاله وأخذ يتعجب من غرابة المسألة والإجابة حتى سأل ربه عن ذلك في صورة الاستبعاد وسأل لنفسه عليه آية فأجيب إليها أيضا.

وكيف كان فالذي استعمله (عليه السلام) في دعائه من الأدب هو ما ساقه إليه حال الوجد والحزن الذي ملكه ، ولذلك قدم على دعائه بيان ما بلغ به الحال في سبيل ربه فقد صرف دهره في سلوك سبيل الإنابة والمسألة حتى وقف موقفا يرق له قلب كل ناظر رحيم ثم سأل الولد وعلله بأن ربه سميع الدعاء.

فهذا معنى ما ذكره مقدمة لمسألته لا أنه كان يمتن بطول عبوديته على ربه - حاشا مقام النبوة - فمعنى قوله على ما في سورة آل عمران:"رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء"أني أسألك ما أسألك لا لأن لطول عبوديتي - وهو دعاؤه المديد - قدرا عندك أو فيه منه عليك بل لأني أسألك ، وقد وجدتك سميعا لدعاء عبادك ومجيبا لدعوة السائلين المضطرين ، وقد اضطرني خوف الموالي من ورائي ، والحث الشديد لذرية طيبة يعبدك أن أسألك.

وقد تقدم أن من الأدب الذي استعمله في دعائه أن ألحق تخوف الموالي قوله:"و اجعله رب رضيا"والرضي وإن كان طبعه يدل بهيئته على ثبوت الرضا لموصوفه ، والرضا يشمل بإطلاقه رضى الله ورضى زكريا ورضى يحيى لكن قوله في آية آل عمران:"ذرية طيبة"يدل على أن المراد بكونه رضيا كونه مرضيا عند زكريا لأن الذرية إنما تكون طيبة لصاحبها لا غير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت