و من ذلك ما حكاه الله سبحانه عن المسيح حين سأل المائدة بقوله:"قال عيسى بن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين":"المائدة: 141".
القصة المذكورة في كلامه تعالى في سؤال الحواريين عيسى (عليه السلام) نزول مائدة من السماء عليهم تدل بسياقه أن هذه المسألة كانت من الأسئلة الشاقة على عيسى (عليه السلام) لأن ما حكي عنهم من قولهم له:"يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء"كان أولا مشتملا بظاهره على الاستفهام عن قدرة الله سبحانه ، ولا يوافق ذلك أدب العبودية وإن كان حاق مرادهم السؤال عن المصلحة دون أصل القدرة فإن حزازة اللفظ على حالها.
وكان ثانيا متضمنا لاقتراح آية جديدة مع أن آياته (عليه السلام) الباهرة كانت قد أحاطت بهم من كل جهة فكانت نفسه الشريفة آية ، وتكلمه في المهد آية ، وإحياؤه الموتى وخلقه الطير وإبراؤه الأكمه والأبرص وإخباره عن المغيبات وعلمه بالتوراة والإنجيل والكتاب والحكمة آيات إلهية لا تدع لشاك شكا ولا لمرتاب ريبا فاختيارهم آية لأنفسهم وسؤالهم إياه كان بظاهره كالعبث بآيات الله واللعب بجانبه ، ولذلك وبخهم بقوله:"اتقوا الله إن كنتم مؤمنين".
لكنهم أصروا على ذلك ووجهوا مسألتهم بقولهم:"نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين"وألجئوه إلى السؤال فسأل.
أصلح (عليه السلام) بأدبه الموهوب من جانب الله سبحانه ما اقترحوه من السؤال بما يصلح به أن يقدم إلى حضرة العزة والكبرياء فعنونه أولا بعنوان أن يكون عيدا لهم يختصون هو وأمته به فإنها آية اقتراحية عديمة النظير بين آيات الأنبياء (عليهم السلام) حيث كانت آياتهم إنما تنزل لإتمام الحجة أو لحاجة الأمة إلى نزولها ، وهذه الآية لم تكن على شيء من هاتين الصفتين.
ثم أجمل ثانيا ما فصله الحواريون من فوائد نزولها من اطمئنان قلوبهم بها وعلمهم بصدقه (عليه السلام) وشهادتهم عليها ، في قوله:"و آية منك".
ثم ذكر ثالثا ما ذكروه من عرض الأكل وأخره وإن كانوا قدموه في قولهم:"نريد أن نأكل منها ، إلخ"وألبسه لباسا آخر أوفق بأدب الحضور فقال:"و ارزقنا"ثم ذيله بقوله:"و أنت خير الرازقين"ليكون تأييدا للسؤال بوجه ، وثناء له تعالى من وجه آخر.
وقد صدر مسألته بندائه تعالى:"اللهم ربنا"فزاد على ما يوجد في سائر أدعية الأنبياء (عليهم السلام) من قولهم"رب"أو"ربنا"لأن الموقف صعب كما تقدم بيانه.
ومنه مشافهته (عليه السلام) ربه المحكية بقوله تعالى:"و إذ قال الله يا عيسى بن مريم أ أنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ، ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد ، إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم":"المائدة: 181".
تأدب (عليه السلام) في كلامه أولا بأن صدره بتنزيهه تعالى عما لا يليق بقدس ساحته كما جرى عليه كلامه تعالى قال:"و قالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه":"الأنبياء: 26".
وثانيا بأن أخذ نفسه أدون وأخفض من أن يتوهم في حقه أن يقول مثل هذا القول حتى يحتاج إلى أن ينفيه ، ولذلك لم يقل من أول مقالته إلى آخرها:"ما قلت"أو"ما فعلت"وإنما نفى ذلك مرة بعد مرة على طريق الكناية وتحت الستر فقال:"ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق"فنفاه بنفي سببه أي لم يكن لي حق في ذلك حتى يسعني أن أتفوه بمثل ذاك القول العظيم ، ثم قال:"إن كنت قلته فقد علمته"، إلخ"فنفاه بنفي لازمه أي إن كنت قلته كان لازم ذلك أن تعلمه لأن علمك أحاط بي وبجميع الغيوب."
ثم قال:"ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم"فنفاه بإيراد ما يناقضه مورده على طريق الحصر بما وإلا أي إني قلت لهم قولا ولكنه هو الذي أمرتني به وهو أن اعبدوا الله ربي وربكم ، وكيف يمكن أن أقول لهم مع ذلك أن اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟.