فهرس الكتاب

الصفحة 1284 من 4314

ثم قال:"و كنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم"وهو نفي منه (عليه السلام) لذلك كالمتمم لقوله:"ما قلت لهم إلا ما أمرتني به""إلخ"وذلك لأن معناه: ما قلت لهم شيئا مما ينسب إلي والذي قلت لهم إنما قلته عن أمر منك ، وهو"أن اعبدوا الله ربي وربكم"ولم يتوجه إلى أمر فيما سوى ذلك ، ولا مساس بهم إلا الشهادة والرقوب لأعمالهم ما دمت ، فلما توفيتني انقطعت عنهم ، وكنت أنت الرقيب عليهم بشهادتك الدائم العام قبل أن توفيتني وبعده وعليهم وعلى كل شيء غيرهم.

وإذ قد بلغ الكلام هذا المبلغ توجه له (عليه السلام) أن ينفي ذلك القول عن نفسه بوجه آخر متمم للوجوه التي ذكرها ، وبه يحصل تمام النفي فقال: "إن تعذبهم فإنهم عبادك ،"إلخ"يقول - على ما يؤيده السياق - وإذا كان الأمر على ما ذكرت فأنا بمعزل منهم وهم بمعزل مني فأنت وعبادك هؤلاء إن تعذبهم فإنهم عبادك ، وللسيد الرب أن يعذب عبيده بمخالفتهم وإشراكهم به وهم مستحقون للعذاب ، وإن تغفر لهم فلا عتب عليك لأنك عزيز غير مغلوب وحكيم لا يفعل الفعل السفهي اللغو ، وإنما يفعل ما هو الأصلح."

وبما بينا يظهر وجوه لطيفة من أدب العبودية في كلامه (عليه السلام) ولم يورد جملة في كلامه إلا وقد مزجها بأحسن الثناء بأبلغ بيان وأصدق لسان.

ومن ذلك ما حكاه الله تعالى عن نبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد ألحق به في ذلك المؤمنين من أمته فقال تعالى:"آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين":"البقرة: 268".

كلامه تعالى - كما ترى - يحكي إيمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقرآن الكريم فيما اشتمل عليه من أصول المعارف ، وفيما اشتمل عليه من الأحكام الإلهية جميعا ، ثم يلحق به (صلى الله عليه وآله وسلم) المؤمنين من أمته دون المعاصرين الحاضرين عنده (صلى الله عليه وآله وسلم) منهم فحسب ، بل المؤمنين من جميع الأمة على ما هو ظاهر السياق.

ولازم ذلك أن يكون ما ذكر فيه من إقرار أو ثناء أو دعاء بالنسبة إلى بعضهم محكيا عن لسان حالهم ، وإن أمكن أن يكون ذلك مما قاله آخرون بلسان قالهم ، أو يكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو القائل ذلك مشافها ربه عن نفسه الشريفة وعن المؤمنين لأنهم بإيمانهم من فروع شجرة نفسه الطيبة المباركة.

والآيتان تشتملان على ما هو كالمقايسة والموازنة بين أهل الكتاب وبين مؤمني هذه الأمة من حيث تلقيهم ما أنزل إليهم في كتاب ، الله وإن شئت قلت: من حيث تأدبهم بأدب العبودية تجاه الكتاب النازل إليهم ، فإنه ظاهر ما أثنى الله سبحانه على هؤلاء وخفف الله عنهم في الآيتين بعين ما وبخ أولئك عليه وعيرهم به في الآيات السابقة من سورة البقرة فقد ذم أهل الكتاب بالتفريق بين ملائكة الله فأبغضوا جبريل وأحبوا غيره ، وبين كتب الله المنزلة فكفروا بالقرآن وآمنوا بغيره ، وبين رسل الله فآمنوا بموسى أو به وبعيسى وكفروا بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وبين أحكامه فآمنوا ببعض ما في كتاب الله وكفروا ببعض ، والمؤمنون من هذه الأمة آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله.

فقد تأدبوا مع ربهم بالتسليم لما أحقه الله من المعارف الملقاة إليهم ثم تأدبوا بالتلبية لما ندب الله إليه من أحكامه إذ قالوا:"سمعنا وأطعنا"لا كقول اليهود:"سمعنا وعصينا"ثم تأدبوا فعدوا أنفسهم عبادا مملوكين لربهم لا يملكون منه شيئا ولا يمتنون عليه بإيمانهم وطاعتهم فقالوا:"غفرانك ربنا"لا كما قالت اليهود:"سيغفر لنا"وقالت:"إن الله فقير ونحن أغنياء"وقالت:"لن تمسنا النار إلا أياما معدودة"إلى غير ذلك من هفواتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت