فهرس الكتاب

الصفحة 1285 من 4314

ثم قال الله سبحانه:"لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت"فإن التكليف الإلهي يتبع بحسب طبعه الفطرة التي فطر الناس عليها ، ومن المعلوم أن الفطرة التي هي نوع الخلقة لا تدعو إلا إلى ما جهزت به ، وفي ذلك سعادة الحياة البتة.

نعم لو كان الأمر على ضرب من الأهمية القاضية بزيادة الاهتمام به ، أو خرج العبد المأمور عن حكم الفطرة وزي العبودية جاز بحكم آخر من قبل الفطرة أن يوجه المولى أو كل من بيده الأمر إليه من الحكم ما هو خارج عن سعته المعتادة كان يأمره بالاحتياط بمجرد الشك ، واجتناب النسيان والخطإ إذا اشتد الاهتمام بالأمر ، نظير وجوب الاحتياط في الدماء والفروج والأموال في الشرع الإسلامي ، أو يحمل عليه الكلفة ويزيد في التضييق عليه كلما زاد في اللجاج وألح في المسألة كما أخبر الله بنظائر ذلك في بني إسرائيل.

وكيف كان فقوله:"لا يكلف الله نفسا"إما ذيل كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنون ، وإنما قالوه تقدمة لقولهم:"ربنا لا تؤاخذنا ، إلخ"ليجري مجرى الثناء عليه تعالى ودفعا لما يتوهم أن الله سبحانه يؤاخذ بما فوق الطاقة ويكلف بالحرجي من الحكم فيندفع بأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها وأن الذي سألوه بقولهم:"ربنا لا تؤاخذنا ، إلخ"إنما هو الأحكام بعناوين ثانوية ناشئة من قبل الحكم أو من قبل المكلفين بالعناد لا من قبله تعالى.

وإما كلام له تعالى موضوع بين فقرتين من دعائم المحكي في كلامه أعني قولهم:"غفرانك ربنا إلخ"وقولهم:"ربنا لا تؤاخذنا ، إلخ"ليفيد ما مر من الفائدة ويكون تأديبا وتعليما لهم منه تعالى فيكون جاريا مجرى كلامهم لأنهم مؤمنون بما أنزل الله ، وهو منه ، وعلى أي حال فهو مما يعتمد عليه كلامهم ، ويتكىء عليه دعاؤهم.

ثم ذكر بقية دعائهم وإن شئت فقل: طائفة أخرى من مسائلهم:"ربنا لا تؤاخذنا"إلخ"ربنا ولا تحمل علينا إصرا"إلخ"ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا"وكان مرادهم به العفو عما صدر منهم من النسيان والخطإ وسائر موجبات الحرج"و اغفر لنا وارحمنا"في سائر ذنوبنا وخطيئاتنا ولا يلزم من ذكر المغفرة هاهنا التكرار بالنظر إلى قولهم سابقا:"غفرانك ربنا"لأنها كلمة حكيت عنهم لفائدة قياس حالهم وأدبهم مع ربهم على أهل الكتاب في معاملتهم مع ربهم وبالنسبة إلى كتابهم المنزل إليهم ، على أن مقام الدعاء لا يمانع التكرار كسائر المقامات.

واشتمال هذا الدعاء على أدب العبودية في التمسك بذيل الربوبية مرة بعد مرة والاعتراف بالمملوكية والولاية ، والوقوف موقف الذلة ومسكنة العبودية قبال رب العزة مما لا يحتاج إلى بيان.

وفي القرآن الكريم تأديبات إلهية وتعليمات عالية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأقسام من الثناء يثني بها على ربه أو المسألة التي يسأله بها كما في قوله تعالى:"قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء"إلى آخر الآيتين:"آل عمران: 26"وقوله تعالى:"قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك":"الزمر: 46"وقوله تعالى:"قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى":"النمل: 59"وقوله تعالى:"قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله"إلخ:"الأنعام: 126 ، وقوله تعالى:"و قل رب زدني علما": طه: 141"وقوله: وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين"إلخ:"المؤمنون: 97"إلى غير ذلك من الآيات وهي كثيرة جدا."

ويجمعها جميعا أنها تشتمل على أدب بارع أدب الله به رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وندب هو إليه أمته.

7 -رعايتهم الأدب عن ربهم فيما حاوروا قومهم ، وهذا أيضا باب واسع وهو ملحق بالأدب في الثناء على الله سبحانه ، وهو من جهة أخرى من أبواب التبليغ العملي الذي لا يقصر أو يزيد أثرا على التبليغ القولي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت