فهرس الكتاب

الصفحة 1286 من 4314

و في القرآن من ذلك شيء كثير قال تعالى في محاورة جرت بين نوح وقومه:"قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ، قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين ، ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون":"هود: 34"ينفي (عليه السلام) عن نفسه ما نسبوا إليه من إتيان الآية ليعجزوه به ، وينسبه إلى ربه ويبالغ في الأدب بقوله:"إن شاء"ثم بقوله"و ما أنتم بمعجزين"أي لله ، ولذلك نسبه إليه تعالى بلفظ"الله"دون لفظ"ربي"لأن الله هو الذي ينتهي إليه كل جمال وجلال ، ولم يكتف بنفي القدرة على إتيان الآية عن نفسه وإثباته حتى ثناه بنفي نفع نصحه لهم إن لم يرد الله أن ينتفعوا به فأكمل بذلك نفي القدرة عن نفسه وإثباته لربه ، وعلل ذلك بقوله:"هو ربكم وإليه ترجعون".

فهذه محاورة غاصة بالأدب الجميل في جنب الله سبحانه حاور بها نوح (عليه السلام) الطغاة من قومه محاجا لهم ، وهو أول نبي من الأنبياء (عليهم السلام) فتح باب الاحتجاج في الدعوة إلى التوحيد ، وانتهض على الوثنية على ما يذكره القرآن الشريف.

وهذا أوسع هذه الأبواب مسرحا لنظر الباحث في أدب الأنبياء (عليهم السلام) يعثر على لطائف من سيرتهم المملوءة أدبا وكمالا فإن جميع أقوالهم وأفعالهم وحركاتهم وسكناتهم مبنية على أساس المراقبة والحضور العبودي ، وإن كانت صورتها صورة عمل من غاب عن ربه وغاب عنه ربه سبحانه قال تعالى:"و من عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ، يسبحون الليل والنهار لا يفترون": الأنبياء: 20"."

وقد حكى الله تعالى في كلامه محاورات كثيرة عن هود وصالح وإبراهيم وموسى وشعيب ويوسف وسليمان وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وغيرهم من الأنبياء (عليهم السلام) في حالات لهم مختلفة كالشدة والرخاء والحرب والسلم والإعلان والإسرار والتبشير والإنذار وغير ذلك.

تدبر في قوله تعالى:"فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم أ لم يعدكم ربكم وعدا حسنا أ فطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي":"طه: 86"يذكر موسى (عليه السلام) إذ رجع إلى قومه وقد امتلأ غيظا وحنقا لا يصرفه ذلك عن رعاية الأدب في ذكر ربه.

وقوله تعالى:"و راودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون":"يوسف: 23"وقوله تعالى:"قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين ، قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين":"يوسف: 92"يذكر يوسف في خلإ المراودة الذي يملك من الإنسان كل عقل ويبطل عنده كل حزم لا يشغله ذلك عن التقوى ثم عن رعاية الأدب في ذكر ربه ومع غيره.

وقوله تعالى:"فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أ أشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم":"النمل: 40"وهذا سليمان (عليه السلام) وقد أوتي من عظيم الملك ونافذ الأمر وعجيب القدرة أن أمر بإحضار عرش ملكة سبإ من سبإ إلى فلسطين فأحضر في أقل من طرفة عين فلم يأخذه كبر النفس وخيلاؤها ، ولم ينس ربه ولم يمكث دون أن أثنى على ربه في ملئه بأحسن الثناء.

وليقس ذلك إلى ما ذكره الله من قصة نمرود مع إبراهيم (عليه السلام) إذ قال:"أ لم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت":"البقرة: 285"وقد قال ذلك إذ أحضر رجلين من السجن فأمر بقتل أحدهما وإطلاق الآخر.

أو إلى ما ذكره فرعون مصر إذ قال كما حكاه الله:"يا قوم أ ليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أ فلا تبصرون ، أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين ، فلو لا ألقي عليه أسورة من ذهب":"الزخرف: 53"يباهي بملك مصر وأنهاره ومقدار من الذهب كان يملكه هو وملؤه ولا يلبث دون أن يقول كما حكى الله:"أنا ربكم الأعلى"وهو الذي كانت تستذله آيات موسى يوما بعد يوم من طوفان وجراد وقمل وضفادع وغير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت