و قوله تعالى:"إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا":"التوبة: 40"وقوله:"و إذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا - إلى أن قال - فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير":"التحريم: 3"فلم يهزهزه (صلى الله عليه وآله وسلم) شدة الأمر والهول والفزع في يوم الخوف أن يذكر أن ربه معه ولم تنجذب نفسه الشريفة إلى ما كان يهدده من الأمر ، وكذا ما أسر به إلى بعض أزواجه في الخلوة في اشتماله على رعاية الأدب في ذكر ربه.
وعلى وتيرة هذه النماذج المنقولة تجري سائر ما وقع في قصصهم (عليهم السلام) في القرآن الكريم من الأدب الرائع والسنن الشريفة ، ولو لا أن الكلام قد طال بنا في هذه الأبحاث لاستقصينا قصصهم وأشبعنا فيها البحث.
8 -أدب الأنبياء (عليهم السلام) مع الناس في معاشرتهم ومحاورتهم ، مظاهر هذا القسم هي الاحتجاجات المنقولة عنهم في القرآن مع الكفار ، والمحاورات التي حاوروا بها المؤمنين منهم ، ثم شيء يسير من سيرتهم المنقولة.
أما الأدب في القول فإنك لا تجد فيما حكي من شذرات أقوالهم مع العتاة والجهلة أن يخاطبوهم بشيء مما يسوؤهم أو شتم أو أهانة وإزراء وقد نال منهم المخالفون بالشتم والطعن والاستهزاء والسخرية كل منال فلم يجيبوهم إلا بأحسن القول وأنصح الوعظ معرضين عنهم بسلام وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما.
قال تعالى:"فقال الملأ الذين كفروا من قومه - يعني قوم نوح - ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين ، قال يا قوم أ رأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أ نلزمكموها وأنتم لها كارهون":"هود: 28".
وقال تعالى حكاية عن عاد قوم هود:"إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون ، من دونه":"هود: 55"يريدون باعتراء بعض آلهتهم إياه بسوء ابتلائه (عليه السلام) بمثل جنون أو سفاهة ونحو ذلك.
وقال تعالى حكاية عن آزر:"قال أ راغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا ، قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا":"مريم: 47".
وقال تعالى حكاية عن قوم شعيب (عليه السلام) :"قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين ، قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين ، أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين":"الأعراف: 68".
وقال تعالى:"قال فرعون وما رب العالمين ، قال رب السماوات والأرض وما بينهما - إلى أن قال - قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ، قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون":"الشعراء: 28".
وقال تعالى حكاية عن قوم مريم:"قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا ، يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا ، فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا ، قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا""إلخ":"مريم: 30".
وقال تعالى يسلي نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما رموه به من الكهانة والجنون والشعر:"فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون ، أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ، قل تربصوا فإني معكم من المتربصين":"الطور: 31".
وقال:"و قال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ، انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا":"الفرقان: 9".
إلى غير ذلك من أنواع الشتم والرمي والإهانة التي حكي عنهم في القرآن ، ولم ينقل عن الأنبياء (عليهم السلام) أن يقابلوهم بخشونة أو بذاء بل بالقول الصواب والمنطق الحسن اللين اتباعا للتعليم الإلهي الذي لقنهم خير القول وجميل الأدب قال تعالى خطابا لموسى وهارون (عليهما السلام) :"اذهبا إلى فرعون إنه طغى ، فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى":"طه: 44"وقال لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) :"و إما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا":"الإسراء: 28".