فهرس الكتاب

الصفحة 1288 من 4314

و من أدبهم في المحاورة والخطاب أنهم كانوا ينزلون أنفسهم منزلة الناس فيكلمون كل طبقة من طبقاتهم على قدر منزلته من الفهم ، وهذا ظاهر بالتدبر فيما حكي من محاوراتهم الناس على اختلافهم المنقولة عن نوح فمن بعده ، وقد روى الفريقان عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :"إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم".

وليعلم أن البعثة بالنبوة إنما بنيت على أساس الهداية إلى الحق وبيانه والانتصار له فعليهم أن يتجهزوا بالحق في دعوتهم ، وينخلعوا عن الباطل ويتقوا شبكات الضلال أيا ما كانت سواء وافق ذلك رضى الناس أو سخطهم ، واستعقب طوعهم أو كرههم ولقد ورد منه تعالى أشد النهي في ذلك لأنبيائه وأبلغ التحذير حتى عن اتباع الباطل قولا وفعلا بغرض نصرة الحق فإن الباطل باطل سواء وقع في طريق الحق أو لم يقع ، والدعوة إلى الحق لا يجامع تجويز الباطل ولو في طريق الحق والحق الذي يهدي إليه الباطل وينتجه ليس بحق من جميع جهاته.

ولذلك قال تعالى:"و ما كنت متخذ المضلين عضدا":"الكهف: 51"وقال:"و لو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ، إذن لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا":"الإسراء: 75"فلا مساهلة ولا ملابسة ولا مداهنة في حق ولا حرمة لباطل.

ولذلك جهز الله سبحانه رجال دعوته وأولياء دينه وهم الأنبياء (عليهم السلام) بما يسهل لهم الطريق إلى اتباع الحق ونصرته ، قال تعالى:"ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا ، الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا":"الأحزاب: 39"فأخبر أنهم لا يتحرجون فيما فرض الله لهم ويخشونه ولا يخشون أحدا غيره فليس أي مانع من إظهارهم الحق ولو بلغ بهم أي مبلغ وأوردهم أي مورد.

ثم وعدهم النصر فيما انتهضوا له فقال:"و لقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ، إنهم لهم المنصورون ، وإن جندنا لهم الغالبون":"الصافات: 137"وقال:"إنا لننصر رسلنا":"المؤمن: 51".

ولذلك نجدهم فيما حكي عنهم لا يبالون شيئا في إظهار الحق وقول الصدق وإن لم يرتضه الناس واستمروه في مذاقهم ، قال تعالى حاكيا عن نوح يخاطب قومه:"و لكني أراكم قوما تجهلون":"هود: 29"وقال عن قول هود:"إن أنتم إلا مفترون":"هود: 50"وقوله لقومه:"قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أ تجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان":"الأعراف: 71"، وقال تعالى يحكي عن لوط:"بل أنتم قوم مسرفون":"الأعراف: 81"وحكى عن إبراهيم من قوله لقومه:"أف لكم ولما تعبدون من دون الله أ فلا تعقلون":"الأنبياء: 67"وحكى عن موسى في جواب قول فرعون له:"إني لأظنك يا موسى مسحورا ، قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا":"الإسراء: 120"أي ممنوعا من الإيمان بالحق مطرودا هالكا ، إلى غير ذلك من الموارد.

فهذه كلها من رعاية الأدب في جنب الحق واتباعه ، ولا مطلوب أعز منه ولا بغية أشرف منه وأغلى ، وإن كان في بعضها ما ينافي الأدب الدائر بين الناس لابتناء حياتهم على اتباع جانب الهوى والسلوك إلى أمتعة الحياة بمداهنة المبطلين والخضوع والتملق إلى المفسدين والمترفين سياسة في العمل.

وجملة الأمر أن الأدب كما تقدم في أول هذه المباحث إنما يتأتى في القول السائغ والعمل الصالح ، ويختلف حينئذ باختلاف مسالك الحياة في المجتمعات والآراء والعقائد التي تتمكن فيها وتتشكل هي عنها ، والدعوة الإلهية التي تستند إليها المجتمع الديني إنما تتبع الحق في الاعتقاد والعمل ، والحق لا يخالط الباطل ولا يمازجه ولا يستند إليه ولا يعتضد به فلا محيص عن إظهاره واتباعه ، والأدب الذي يتأتى فيه أن يسلك في طريق الحق أحسن المسالك ويتزيى فيه بأظرف الأزياء كاختيار لين القول إذا صح أن يتكلم بلينة وخشونة ، واختيار الاستعجال في الخبر إذا أمكن فيه كل من المسارعة والتبطي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت