فهرس الكتاب

الصفحة 1289 من 4314

و هذا هو الذي يأمر به في قوله تعالى:"و كتبنا له - أي لموسى - في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها":"الأعراف: 154"وبشر عباده الآخذين به في قوله:"فبشر عباد ، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب":"الزمر: 18"فلا أدب في باطل ولا أدب في ممزوج من حق وباطل فإن الخارج من صريح الحق ضلال لا يرتضيه ولي الحق وقد قال:"فما ذا بعد الحق إلا الضلال":"يونس: 32".

وهذا هو الذي دعا أنبياء الحق إلى صراحة القول وصدق اللهجة وإن كان ذلك في بعض الموارد مما لا يرتضيه سنة المداهنة والتساهل والأدب الكاذب الدائر في المجتمعات غير الدينية.

ومن أدبهم مع الناس في معاشرتهم وسيرتهم فيهم احترام الضعفاء والأقوياء على حد سواء والإكثار والمبالغة في حق أهل العلم والتقوى منهم فإنهم لما بنوا على أساس العبودية وتربية النفس الإنسانية تفرع عليه تسوية الحكم في الغني والفقير والصغير والكبير والرجل والمرأة والمولى والعبد والحاكم والمحكوم والأمير والمأمور والسلطان والرعية ، وعند ذلك لغا تمايز الصفات ، واختصاص الأقوياء بمزايا اجتماعية ، وبطل تقسم الوجدان والفقدان والحرمان والتنعم والسعادة والشقاء بين صفتي الغنى والفقر والقوة والضعف ، وأن للقوي والغني من كل مكانة أعلاها ، ومن كل عيشة أنعمها ، ومن كل مجاهدة أروحها وأسهلها ، ومن كل وظيفة أخفها بل كان الناس في ذلك شرعا سواء ، قال:"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم":"الحجرات: 13"وتبدل استكبار الأقوياء بقوتهم ومباهاة الأغنياء بغنيتهم تواضعا للحق ومسارعة إلى المغفرة والرحمة ، وتسابقا في الخيرات وجهادا في سبيل الله وابتغاء لمرضاته.

واحترم حينئذ للفقراء كما للأغنياء ، وتؤدب مع الضعفاء كما مع الأغنياء بل اختص هؤلاء بمزيد شفقة ورأفة ورحمة ، قال تعالى يؤدب نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) :"و اصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا":"الكهف: 28"وقال تعالى:"و لا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين":"الأنعام: 52"، وقال:"لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين ، وقل إني أنا النذير المبين":"الحجر: 89".

ويشتمل على هذا الأدب الجميل ما حكاه الله من محاورة بين نوح (عليه السلام) وقومه إذ قال:"فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين ، قال يا قوم أ رأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أ نلزمكموها وأنتم لها كارهون ، ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون - أي في تحقيركم أمر الفقير الضعيف - ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أ فلا تذكرون ، ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك - أي لا أدعي شيئا يميزني منكم بمزية إلا أني رسول إليكم - ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم - أي من الخير والسعادة اللذين يرجيان منهم - إني إذا لمن الظالمين":"هود: 31".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت