فهرس الكتاب

الصفحة 1320 من 4314

فلذلك حق لكن ربما كان من شرائط التربية أن يسلب المربي حرية الإرادة والعمل حينا حتى تتم التربية ، ويتبصر النفس المرباة في استعمال إرادتها ، وتتنعم بنعمة حريتها كما يعالج المريض بما يسوؤه ويربى الصغير بما يتحرج منه ، وهذا هو الذي يراه الإسلام من سلب حرية الإرادة والعمل عن الأمة الكافرة المحاربة ، واجتلابهم إلى داخل المجتمع الديني ، وتربيتهم فيها ، وتخليصهم تدريجا إلى ساحة الحرية فإن السلوك سلوك اجتماعي ينبغي أن ينظر إليه وإلى نتيجته وأثره بنظر عام كلي ، وليس بأمر فردي ينظر إليه بنظر فردي جزئي ، ثم من العجب أن هؤلاء أيضا يجرون عملا بما جرت عليه السيرة الإسلامية وإن خالفوه في التسمية وحسن النية كما تقدم بيانه.

وإن أريد به أن من حق الحرية الإنسانية أن تطرد في الجميع ويخلى بين كل إنسان وإرادته المطلقة.

فمن الواضح الذي لا مرية فيه أن ذلك غير جائز التسليم ولا ميسور العمل على إطلاقه وخاصة في الخصم المحارب وهو المورد الوحيد الذي يعتني به الإسلام في سلب إطلاق الحرية.

ثم لو كان هذا حقا لم يكن فيه فرق بين الواحد والاثنين وبين الجماعة فما بالهم يسلمون للواحد من الحرية القانونية حتى مثل"الانتحار"وللاثنين مثل"دئل"ولا يسلمون لطائفة مساكين من أبناء نوعهم أن ينعزلوا في ملجإ أو مغارات ويشتغلوا بأنفسهم ويأكلوا رزق ربهم ويسلكوا سبيل حياتهم؟.

بقي هنا شيء وهو أنه ربما قال القائل: ما بال الإسلام لم يشرع للرقيق تملك المال حتى يستعين به على حوائجه الضرورية من غير أن يكون كلا على مولاه؟ وما باله لم يحدد الرق بالإسلام حتى ينعتق العبد بالإسلام وينمحي عنه لوث المحرومية اللازمة له ولأعقابه إلى يوم القيامة.

لكن ينبغي أن يتنبه هذا القائل إلى أن الحكم باستقرار الرق والحرمان من تملك المال إنما ظهوره ووقوعه بحسب نظر التشريع في أول زمان الاستيلاء عليه ، وحكم الفطرة عليهم - وهم الأعداء المحاربون - بجواز سلب الحرية إنما هو لإبطال كيدهم وسلب قوتهم على المقاومة لهدم الاجتماع الديني الصالح ، ولا قوة ولا قدرة إلا بالملك فإذا لم يملكوا عملا ولا نتاج عمل لم يقووا على المخاصمة والمحاربة.

نعم أجاز الإسلام لهم أن يتملكوا في الجملة بتمليك الموالي ، وهذا ملك في طول ملك ، وليس فيه محذور الاستقلال بالتصرف.

وأما تحديد رقهم بالإيمان فهو أمر يبطل السياسة الدينية في حفظ بيضة الإسلام وإقامة المجتمع الديني على ساقه وبسط التربية الدينية على هؤلاء المحاربين المستعلى عليهم بالعدة والقوة ، ولو لا ذلك لدخلوا في ظاهر الدين بمجرد أن استقرت عليهم سيطرة الدين ، وضربت عليهم بذلة العبودية فحفظوا بذلك عدتهم وقوتهم ثم عادوا لما نهوا عنه.

وليرجع في ذلك إلى السنة الجارية بين الأمم والأقوام من يومنا هذا إلى أقدم العهود التي يستطاع العثور فيها على تاريخ الإنسانية فالأمتان أو القبيلتان إذا تحاربتا وتقاتلتا ثم غلبت إحداهما الأخرى واستعلت عليها فإنها ترى من حقها المشروع لها في الحرب أن تضع في عدوها السيف حتى يسلم لها الأمر تسليما مطلقا من غير شرط.

وليست ترضى من التسليم بمجرد أن تضع الأمة المقاتلة المغلوبة أسلحتها على الأرض فتتركهم وما يريدون بل بالتسليم لأمر الأمة الغالبة ، والخضوع التام لما تحكم فيهم ، وترى لهم أو عليهم ، وتتصرف في نفوسهم وأموالهم.

ومن سفه الرأي أن تقيد هذه السيطرة بقيد يفسد أثر هذا التسليم المطلق ، ويبطل حكمه ، ويمهد الطريق للعدو في الرجوع إلى كيده ومكره ، ويجدد له رجاء العود إلى ما بدأ ، وكيف يسوغ للأمة الغالبة ذلك وقد فدت عن استقلال مجتمعها المقدس عندها بالنفوس والأموال؟ وهل ذلك إلا ظلما لنفسها واستهانة بأعز ما عندها ، وتبذيرا للدماء والأموال والمساعي؟.

وليس لمعترض أن يعترض على أمة غالبة غلبت بتضحية النفوس والأموال فضربت على عدوها بالذلة والمسكنة ، وحفظهم على حالة الرق: بأن رجالهم قاتلوا وقتلوا وأفسدوا فأخذوا بالأسر وجوزوا بسلب الحرية على ما يبيحه الحق المشروع للمحارب على محاربه فما ذنب الأصاغر من الذراري المتولدين بعد ذلك ، ولم يحملوا سلاحا ، ولا سلوا سيفا ، ولا دخلوا معركة؟ وذلك أنهم ضحايا آبائهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت