فهرس الكتاب

الصفحة 1321 من 4314

بعد ذلك كله لا ينبغي أن ينسى أن للحكومة الإسلامية أن يحتال في انعتاق الرقيق بشراء وعتق ونحو ذلك إذا أحرزت أن الأصلح بحال المجتمع الإسلامي ذلك والله أعلم.

كلام في المجازاة والعفو في فصول

1 -ما معنى الجزاء؟:

لا يخلو أي مجتمع من المجتمعات من تكاليف اجتماعية على أجزائه أن يحترموها فلا هم للمجتمع إلا أن يوافق بين أعمال الأفراد ويقرب بعضها من بعض ، ويربط جانبا منها بجانب حتى تأتلف وتجتمع وترفع بآثارها ونتائجها حوائج الأفراد بمقدار ما يستحقه كل واحد بعمله وسعيه.

وهذه التكاليف لما كانت متعلقة بأمور اختيارية يسع الإنسان أخذها وتركها ، وهي بعينها لا تتم إلا مع سلب ما لحرية الإنسان في إرادته وعمله لم يمتنع أن يتخلف عنها أو عن بعضها الإنسان المتمائل بطبعه إلى الاسترسال وإطلاق الحرية.

والتنبه إلى هذا النقص في التكاليف والفتور في بني القوانين هو الذي بعث الإنسان الاجتماعي على أن يتمم نقصها ويحكم فتورها بأمر آخر ، وهو أن يضم إلى مخالفتها والتخلف عنها أمورا يكرهها الإنسان المكلف فيدعوه ذلك إلى طاعة التكليف الذي يكلف به حذرا من أن يحل به ما يكرهه ويتضرر به.

وهذا هو جزاء السيئة ، وهو حق للمجتمع أو لولي الأمر على المتخلف العاصي ، وله نظير في جانب طاعة التكاليف فمن الممكن أن يوضع للمطيع الممتثل بإزاء عمله بالتكليف أمر يؤثره ويحبه ليكون ذلك داعيا يدعوه إلى إتيان الواجب أو المطلوب مطلقا من التكاليف ، وهو حق للمكلف المطيع على المجتمع أو لولي الأمر ، وهذا هو جزاء الحسنة ، وربما يسمى جزاء السيئة عقابا وجزاء الحسنة ثوابا.

وعلى هذه الوتيرة يجري حكم الشريعة الإلهية قال تعالى:"للذين أحسنوا الحسنى":"يونس: 26"وقال تعالى:"و الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها":"يونس: 27"وقال:"و جزاء سيئة سيئة مثلها":"الشورى: 40".

وللعقاب والثواب عرض عريض آخذا من الاستكراه والاستحسان والذم والمدح إلى آخر ما يتعلق به القدرة من الشر والخير ويرتبطان في ذلك بعوامل مختلفة من خصوصيات الفعل والفاعل وولي التكليف ومقدار الضرر والنفع العائدين إلى المجتمع ، ولعله يجمع الجميع أن العمل كلما زاد الاهتمام بأمره زاد عقابا في صورة المعصية وثوابا في صورة الطاعة.

ويعتبر بين العمل وبين جزائه - كيف كان - نوع من المماثلة والمسانخة ولو تقريبا ، وعلى ذلك يجري كلامه تعالى أيضا كما هو ظاهر أمثال قوله تعالى:"ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى":"النجم: 31"وأوضح منه قوله تعالى وقد حكاه عن صحف إبراهيم وموسى (عليهما السلام) :"و أن ليس للإنسان إلا ما سعى ، وأن سعيه سوف يرى ، ثم يجزاه الجزاء الأوفى":"النجم: 41".

وهذا فيما شرعه الله في أمر القصاص أظهر ، قال تعالى:"كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى":"البقرة: 187"وقال:"الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله":"البقرة: 149".

ولازم هذه المماثلة والمسانخة أن يعود العقاب أو الثواب إلى نفس العامل بمثل ما عمل بمعنى أنه إذا عصى حكما اجتماعيا مثلا فإنما تمتع لنفسه بما يضر المجتمع أي بما يفسد تمتعا من تمتعات المجتمع فينقص من تمتعاته في نفسه ما يعادل ذلك من نفسه أو بدنه أو ماله أو جاهه أو نحو ذلك مما يعود بوجه إليه.

وهذا هو الذي أومأنا إليه في البحث عن معنى الاستعباد أن المجتمع أو من يلي أمره يملك من المجرم نفسه أو شأنا من شئون نفسه يعادل الجرم الذي اجترمه ونقيصة الضرر الذي أوقعه على المجتمع فيعاقب بذلك أي يتصرف المجتمع أو ولي الأمر استنادا إلى هذا الملك - وهو الحق - في حياة المجرم أو شأن من شئون حياته ، ويسلب حريته في ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت