فلو قتل نفسا مثلا بغير نفس أو فساد في الأرض في المجتمع الإسلامي ملك ولي الأمر من المجرم نفسه حيث نقصهم نفسا محترمة ، وحده الذي هو القتل تصرف في نفسه عن الملك الذي ملكه ، ولو سرق ما يبلغ ربع دينار من حرز فقد أضر بالمجتمع بهتك ستر من أستار الأمن العام الذي أسدلته يد الشريعة وحفظته يد الأمانة ، وحدها الذي هو القطع ليس حقيقته إلا أن ولي الأمر ملك من السارق بإزاء ما أتى به شأنا من شئون حياته وهو الشأن الذي تشتمل عليه اليد فيتصرف فيه بسلب ما له من الحرية ووسيلتها من هذه الجهة ، وقس على ذلك أنواع الجزاء في الشرائع والسنن المختلفة.
فيتبين من هنا أن الإجرام والمعصية الاجتماعية يستجلب نوعا من الرق والعبودية ، ولذلك كان العبد أظهر مصاديق المؤاخذة والعقاب قال تعالى:"إن تعذبهم فإنهم عبادك":"المائدة: 181".
ولهذا المعنى مظاهر متفرقة في سائر الشرائع والسنن المختلفة قال الله تعالى في قصة يوسف (عليه السلام) إذ جعل السقاية في رحل أخيه ليأخذه إليه:"قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين - أي في إنكاركم سرقة صواع الملك - قالوا من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين - أي نجزي السارق باسترقاقه - فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف - إلى أن قال - قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين - وهذا هو التبديل ونوع من الفدية - قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون":"يوسف: 79".
وربما كان يؤخذ القاتل أسيرا مملوكا ، وربما كان يفدي بواحدة من نسائه وحرمه كبنته وأخته إلى غير ذلك ، وسنة الفدية بالتزويج كانت مرسومة إلى هذه الأيام بين القبائل والعشائر في نواحينا لأن الازدواج يعد عندهم نوعا من الاسترقاق والإسارة للنساء.
ومن هنا ما ربما يعد المطيع عبدا للمطاع لأنه بإطاعته يتبع إرادته إرادة المطاع فهو مملوكه المحروم من حرية الإرادة قال تعالى:"أ لم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين ، وأن اعبدوني":"يس: 61"وقال:"أ فرأيت من اتخذ إلهه هواه":"الجاثية: 23".
وبالعكس من تملك المجتمع أو ولي الأمر المجرم المعاقب يملك المطيع المثاب من المجتمع أو ولي الأمر ما يوازن طاعته من الثواب فإن المجتمع أو الولي نقص من المكلف المطيع بواسطة التكليف شيئا من حريته الموهوبة فعليه أن يتممه كما نقص.
وهذا الذي ذكرناه هو السر في ما اشتهر: أن الوفاء بالوعد واجب دون الوعيد وذلك أن مضمون الوعد في ظرف المولوية والعبودية هو الثواب على الطاعة كما أن مضمون الوعيد هو العقاب على المعصية والثواب لما كان من حق المطيع على ولي الأمر وفي ذمته وجب عليه تأديته وتفريغ ذمته منه بخلاف العقاب فإنه من حق ولي الأمر على المكلف المجرم ، وليس من الواجب أن يتصرف الإنسان في ملكه ويستفيد من حقه إن كان له ذلك ، وللكلام تتمة.
3 -العفو والمغفرة؟:
استنتجنا من البحث السابق جواز ترك المجازاة على المعصية بخلاف الطاعة ، وهو حكم فطري في الجملة مبني على أن العقاب حق للمعصي على العاصي ، وليس من الواجب إعمال الحق دائما.
غير أنه كما لا يجب إعمال حق العقاب دائما كذلك لا يجوز تركه دائما وإلا لغا القضاء الفطري بثبوت الحق ، ولا معنى لثبوت شيء لا أثر له ولا في وقت من الأوقات على أن إلغاء حق العقاب من رأسه هدم للقوانين الموضوعة الحافظة لبنية الاجتماع وفي هدمها هدم الاجتماع بلا ريب.
فالحكم - وهو جواز العفو عن الذنب - ثابت في الجملة ، والقضية مهملة فإن كان هناك سبب مسوغ بحسب الحكمة للعفو جاز العفو وإلا وجبت المجازاة احتراما للقوانين الحافظة لبنية المجتمع وسعادة الإنسان ، وإليه الإشارة بقوله تعالى حكاية عن عيسى (عليه السلام) :"و إن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم":"المائدة: 181".