و يوجد في القرآن الكريم من أسباب المغفرة مما تمضيه الحكمة الإلهية سببان كليان: أحدهما: توبة العبد إلى الله سبحانه أعم من رجوعه من الكفر إلى الإيمان أو رجوعه من المعصية إلى الطاعة على ما تقدم بيانه في الكلام على التوبة في الجزء الرابع من الكتاب ، قال تعالى:"قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون - وهذه التوبة من الكفر الذي فيه وعيد العذاب الذي لا ينفع فيه ناصر شفيع - واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون":"الزمر: 55"وهذه هي التوبة من المعصية إلى الطاعة ، ولم ينف فيه نفع الشفاعة.
وقال تعالى:"إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما ، وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما":"النساء: 18".
وثانيهما: الشفاعة يوم القيامة قال تعالى:"و لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون":"الزخرف: 86"إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة المتعرضة لأمر الشفاعة ، وقد أشبعنا البحث فيها في الكلام على الشفاعة في الجزء الأول من الكتاب.
ويوجد في القرآن الكريم موارد متفرقة يذكر فيها العفو من غير ذكر سببه وإن كان التدبر فيها يهدي إلى إجمال ما روعي فيها من المصلحة وهي مصلحة الدين كقوله تعالى:"و لقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين":"آل عمران: 125"، وقوله تعالى:"أ أشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله":"المجادلة: 13"وقوله تعالى:"لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم":"التوبة: 171"وقوله تعالى:"و حسبوا أن لا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم":"المائدة: 71"، وقوله تعالى:"الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور":"المجادلة: 3"، وقوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم - إلى أن قال - عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام":"المائدة: 95".
فهذه موارد متنوعة من العفو الإلهي وقد بينا خصوصية كل منها في الكلام على الآية المشتملة عليه من الكتاب فليراجع.
وليس من قبيل ما تقدم قوله تعالى:"عفا الله عنك لم أذنت لهم":"التوبة: 43"فإنه دعاء نظير قولنا: غفر الله لك لم فعلت كذا وكذا ، ونظيره على الخلاف قوله تعالى"إنه فكر وقدر ، فقتل كيف قدر":"المدثر: 19"وليس من ذاك القبيل أيضا قوله تعالى:"إنا فتحنا لك فتحا مبينا ، ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر":"الفتح: 2"، ويدل على ذلك جعل المغفرة غاية متفرعة على فتحه تعالى مكة لنبيه ولا رابطة بين مغفرة الذنب بمعنى الإثم وبين الفتح ، وسيجيء تمام الكلام في محله إن شاء الله.
4 -للعفو مراتب:
لما كان العفو والمغفرة يتعلق بالذنب الذي يستتبع نوعا من المجازاة والعقاب ، وللجزاء كما عرفت - عرض عريض ومراتب مختلفة متشتتة أتبعه العفو في اختلاف المراتب حسب اختلافه ، وليس الاختلاف الواقع في نفس الذنب أعني التبعة السيئة التي يستتبعها العمل فالاختلاف فيها مما لا سبيل إلى إنكاره ، والجزاء سواء كان عقابا أو ثوابا إنما يوزن بزنتها.