ثم المتوسط من الناس الحضريين لا يؤاخذ بما يؤاخذ به الآحاد النوادر من المجتمع الذين هم أهل الفهم اللطيف والأدب الظريف ولا عذر فيما يقع من المتوسط من الناس من ترك دقائق الأدب وظرائف القول والفعل إلا أن فهمه على قدر ما يأتي به ، لا يشعر من لوازم الأدب بأزيد مما يأتي به وظرفه هو ظرفه.
وما يأتي به مما لا ينبغي هو مما يؤاخذ به الأوحديون من الرجال فربما يؤاخذون بلحن خفي في كلام أو بتبطؤ يسير في حركة أو بتفويت آن غير محسوس في سكون أو التفات أو غمض عين ونحو ذلك فيعد ذلك كله ذنبا منهم ، وليس من الذنب بمعنى مخالفة المواد القانونية دينية كانت أو دنيوية ، وقد اشتهر بينهم: أن حسنات الأبرار سيئات المقربين.
وكلما دق المسلك ولطف المقام ظهرت هنالك خفايا من الذنوب كانت قبل تحقق هذا الظرف مغفولا عنها لا يحس بها الإنسان المكلف بالتكاليف ، ولا يؤاخذ بها ولي المؤاخذة والمحاسبة.
وينتهي ذلك - فيما يعطيه البحث الدقيق - إلى الأحكام الناشئة في ظرفي الحب والبغض فترى عين المبغض - وخاصة في حال الغضب - عامة الأعمال الحسنة سيئة مذمومة ، ويرى المحب إذا تاه في الغرام واستغرق في الوله أدنى غفلة قلبية عن محبوبه ذنبا عظيما وإن اهتم بعمل الجوارح بتمام أركانه ، وليس إلا أنه يرى أن قيمة أعماله في سبيل الحب على قدر توجه نفسه وانجذاب قلبه إلى محبوبه فإذا انقطع عنه بغفلة قلبية فقد أعرض عن المحبوب وانقطع عن ذكره وأبطل طهارة قلبه بذلك.
حتى أن الاشتغال بضروريات الحياة من أكل وشرب ونحوهما يعد عنده من الإجرام والعصيان نظرا إلى أن أصل الفعل وإن كان من الضروري الذي يضطر إليه الإنسان لكن كل واحد واحد من هذه الأفعال الاضطرارية من حيث أصله اختياري في نفسه ، والاشتغال به اشتغال بغير المحبوب وإعراض عنه اختيارا وهو من الذنب ، ولذلك نرى أهل الوله والغرام وكذا المحزون الكئيب ومن في عداد هؤلاء يستنكفون عن الاشتغال بأكل أو شرب أو نحوهما.
وعلى نحو من هذا القبيل ينبغي أن يحمل ما ربما يروى عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله:"إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله كل يوم سبعين مرة"، وعليه يمكن أن يحمل بوجه قوله تعالى:"و استغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار":"المؤمن: 55"وقوله:"فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا":"النصر: 3".
وعليه يحمل ما حكى تعالى عن عدة من أنبيائه الكرام كقول نوح:"رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا":"نوح: 28"وقول إبراهيم:"ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب":"إبراهيم: 41"وقول موسى لنفسه وأخيه:"رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك":"الأعراف: 115"وما حكى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :"سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير":"البقرة: 258".
فإن الأنبياء (عليهم السلام) مع عصمتهم لا يتأتى أن تصدر عنهم المعصية ، ويقترفوا الذنب بمعنى مخالفة مادة من المواد الدينية التي هم المرسلون للدعوة إليها ، والقائمون قولا وفعلا بالتبليغ لها ، والمفترض طاعتهم من عند الله ، ولا معنى لافتراض طاعة من لا يؤمن وقوع المعصية منه ، تعالى الله عن ذلك.
وهكذا يحمل على هذا الباب ما حكي عن بعضهم (عليهم السلام) من الاعتراف بالظلم ونحوه كقول ذي النون:"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين":"الأنبياء: 87"إذ كما يجوز عدهم بعض الأعمال المباحة الصادرة عنهم ذنبا لأنفسهم وطلب المغفرة من الله سبحانه ، كذلك يجوز عده ظلما من أنفسهم لأن كل ذنب ظلم.
وقد مر أن هنالك محملا آخر وهو أن يكون المراد بالظلم هو الظلم على النفس كما في قول آدم وزوجته:"ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين":"الأعراف: 23".
وإياك أن تتوهم أن معنى قولنا في آية: إن لها محملا كذا ومحملا كذا هو تسليم أن ذلك من خلاف ظاهر الكلام ثم الاجتهاد في اختلاف معنى يحمل عليه الكلام ، وتطبق عليه الآيات القرآنية تحفظا على الآراء المذهبية ، واضطرارا من قبل التعصب.
وقد تقدم البحث الحر في عصمة الأنبياء (عليهم السلام) بالتدبر في الآيات أنفسها من غير اعتماد على المقدمات الغريبة الأجنبية في الجزء الثاني من الكتاب.