و قد بينا هناك وفي غيره أن ظاهر الكلام لا يقتصر في تشخيصه على الفهم العامي المتعلق بنفس الجملة المبحوث عنها بل للقرائن المقامية والكلامية المتصلة والمنفصلة - كالآية المتعرضة لمعنى آية أخرى - تأثير قاطع في الظواهر ، وخاصة في الكلام الإلهي الذي بعضه ببعض ، ويشهد بعضه على بعض ، ويصدق بعضه بعضا.
والغفلة عن هذه النكتة هي التي أشاعت بين عدة من المفسرين وأهل الكلام إبداع التأويل بمعنى صرف الكلام إلى ما يخالف ظاهره ، وارتكابه في الآيات المخالفة لمذهبهم الخاص على زعمهم فتراهم يقطعون القرآن قطعا ثم يحملون كل قطعة منها على ما يفهمه العامي السوقي من كلام سوقي مثله فإذا سمعوه تعالى يقول:"فظن أن لن نقدر عليه"حملوه على أنه (عليه السلام) - وحاشاه - زعم أو أيقن أن الله سبحانه يعجز عن أخذه مع أن ما في الآية التالية:"و كذلك ننجي المؤمنين"يعده من المؤمنين ، ولا إيمان لمن شك في قدرة الله فضلا عن أن يرجح أو يقطع بعجزه.
وإذا سمعوه تعالى يقول: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر"تفهموا منه أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أذنب فغفر الله له كما يذنب الواحد منا بمخالفة أمر أو نهي مولوي من الله تنعقد بهما مسألة فرعية فقهية."
ولم يهدهم التدبر حتى بمقدار أن يرجعوا إلى سابقة الآية:"إنا فتحنا لك فتحا مبينا"حتى ينجلي لهم أن هذا الذنب والمغفرة المتعلقة به لو كانا كالذنوب التي لنا والمغفرة التي تتعلق بها لم يكن وجه لتعليق المغفرة على فتح مكة تعليق الغاية على ذي الغاية ، وكذا لم يكن وجه لعطف ما عطف عليه أعني قوله:"و يتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما ، وينصرك الله نصرا عزيزا":"الفتح: 3".
وكذا إذا سمعوا سائر الآيات التي تشتمل على عثرات الأنبياء بزعمهم كالتي وردت في قصص آدم ونوح وإبراهيم ولوط ويعقوب ويوسف وداود وسليمان وأيوب ومحمد صلى الله عليه وآله وعليهم بادروا إلى الطعن في ساحة نزاهتهم ، ولم ينقبضوا عن إساءة الأدب إليهم وهم أنفسهم أولى بما رموا ولا شين كسوء الأدب.
فساقهم سوء الحظ ورداءة النظر إلى أن أبدلوا ربهم رب العالمين برب تنعته التوراة والأناجيل المحرفة قوة غيبية متجسدة تدير رحى الوجود كما يدير جبار من جبابرة الإنسان مملكته لا هم له إلا إشباع طاغية شهوته وغضبه فجهلوا مقام ربهم ثم سهوا عن مقام النبوة وعفوا مدارجهم العالية الشريفة الروحية ومقاماتهم السامية الحقيقية فعادت بذلك هاتيك النفوس الطاهرة المقدسة تماثل النفوس الرديئة الخسيسة التي ليس لها من شرف الإنسانية إلا التسمي باسمها تهلك من هذا نفسه ، وتخون من ذاك عرضه ، وتطمع من ذلك في ماله مع أنهم على ما لهم من الجهل لا يرضون بهذه الفضائح فيمن يتقلد أمرا من أمور دنياهم أو يتصدى يوما للقيام بمصلحة بيتهم وأهلهم فكيف يرضون بنسبة هذه الفضائح إلى الله سبحانه وهو العليم الحكيم الذي أرسل رسله إلى عباده لئلا يكون لهم حجة بعدهم؟ وليت شعري أي حجة تقوم على كافر أو فاسق إذا جاز للرسول أن يكفر أو يفجر أو يدعو إلى الشرك والوثنية ثم يتبرأ منه وينسبه إلى الشيطان؟.
وإذا ذكروا ببعض ما لأنبياء الله (عليهم السلام) من العصمة الإلهية والمقامات الموهوبة والمواقف الروحية عدوا ذلك شركا بالله ، وغلوا في حق عباد الله ، وأخذوا في تلاوة قوله:"قل إنما أنا بشر مثلكم".
وقد أصابوا في ردهم بوجه فإن ما يتصورونه من الرب عز اسمه وينعتونه بها من النعوت في ذاته وفعله دون ما يذكرون به من مقامات الأنبياء (عليهم السلام) وأخفض منها منزلة وقدرا ، وهذا كله من المصائب التي لقيتها الإسلام وأهله مما دسته أهل الكتاب وخاصة اليهود في الروايات وعملته أيديهم ، وحركوا بها الرحى على غير محوره ، واعتقدوا في الله سبحانه الذي ليس كمثله شيء أنه مثل الإنسان المتجبر الذي يرى لنفسه أنه حر غير مسئول فيما يفعل وهم المسئولون ، وأن ترتب المسببات على أسبابها واستيلاد المقدمات نتائجها ، واقتضاء الخصائص الوجودية صورية أو معنوية لآثارها كل ذلك جزافي لا لرابطة حقيقية.