و أن الله تعالى ختم بمحمد النبوة وأنزل عليه القرآن ، وخص موسى بالتكليم ، وعيسى بالتأييد بالروح لا لخصوصية في نفوسهم الشريفة بل لأنه أراد أن يخصهم بكذا وبكذا ، وأن ضرب موسى بعصاه الحجر فانفجرت كضرب أحدنا بعصاه الحجر غير أن الله يفجر ذاك ولا يفجر هذا ، وأن قول عيسى للموتى: قوموا بإذن الله مثل أن ينادي أحدنا بين المقابر: قوموا بإذن الله إلا أن الله يحيي أولئك ولا يحيي هؤلاء وهكذا.
وليس ذلك كله إلا قياسا لنظام التكوين إلى نظام التشريع الذي لا قوام له إلا الوضع والاصطلاح والتعاهد الذي لا يتجاوز ظرف الاجتماع سعة ، ولا يعدو دنيا الإنسان المجتمع.
ولو أنهم تفطنوا قليلا وتدبروا في أطراف الآيات المتعرضة لأمر الذنب والمعصية بالمعنى المصطلح عليه ، وهي مخالفة الأمر والنهي المولويين تنبهوا إلى أن من المغفرة ما هو فوق المغفرة المعروفة.
فإن الله سبحانه يكرر في كلامه أن له عبادا يسميهم بالمخلصين مصونين عن المعصية لا مطمع فيهم للشيطان فلا ذنب - بالمعنى المعروف - لهم ولا حاجة إلى المغفرة المتعلقة بذلك الذنب ، وقد نص في حق عدة من أنبيائه كإبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى أنهم مخلصون كقوله في إبراهيم وإسحاق ويعقوب:"إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار":"ص: 46"، وقوله في يوسف:"إنه من عبادنا المخلصين":"يوسف: 24"، وقوله في موسى:"إنه كان مخلصا":"مريم: 51"وقد حكى عنهم سؤال المغفرة كقول إبراهيم (عليه السلام) :"ربنا اغفر لي ولوالدي":"إبراهيم: 41"وقول موسى (عليه السلام) :"رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك":"الأعراف: 115"ولو كانت المغفرة لا يتعلق إلا بالذنب بالمعنى المعروف لم يستقم ذلك.
نعم ربما قال القائل: إنهم (عليهم السلام) يعدون أنفسهم مذنبين تواضعا لله سبحانه ولا ذنب لهم لكن ينبغي لهذا القائل أن يتنبه إلى أنهم (عليهم السلام) لم يخطئوا في نظرهم هذا ، ولم يجازفوا في قولهم فلشمول المغفرة لهم معنى صحيح والمسألة جدية.
على أن في دعاء إبراهيم (عليه السلام) :"ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب"دعاء لكافة المؤمنين - وفيهم المخلصون - بالمغفرة ، وكذا في دعاء نوح (عليه السلام) :"رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات":"نوح: 28"شمول بإطلاقه للمخلصين ، ولا معنى لطلب المغفرة على من لا ذنب له يحتاج إلى المغفرة.
فهذا كله ينبهنا إلى أن من الذنب المتعلق به المغفرة ما هو غير الذنب بالمعنى المتعارف وكذا من المغفرة ما هي غير المغفرة بمعناها المتعارف ، وقد حكى الله تعالى عن إبراهيم قوله:"و الذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين":"الشعراء: 82"ولعل هذا هو السبب فيما نشاهد أنه تعالى في موارد من كلامه إذا ذكر الرحمة أو الرحمة الأخروية التي هي الجنة قدم عليه ذكر المغفرة كقوله:"و قل رب اغفر وارحم":"المؤمنون: 181"وقوله:"و اغفر لنا وارحمنا":"البقرة: 268"وقوله حكاية عن آدم وزوجته:"و إن لم تغفر لنا وترحمنا":"الأعراف: 23"وقوله عن نوح (عليه السلام) :"و إلا تغفر لي وترحمني":"هود: 47".
فتحصل من البيان السابق: أن للذنب مراتب مختلفة مترتبة طولا كما أن للمغفرة مراتب بحذائها ، تتعلق كل مرتبة من المغفرة بما يحاذيها من الذنب ، وليس من اللازم أن يكون كل ذنب وخطيئة متعلقا بأمر أو نهي مولوي فيعرفه ويتبينه الأفهام العامية الساذجة ، ولا أن يكون كل مغفرة متعلقة بهذا النوع من الذنب.
فالذي تبين لنا من مراتب الذنب والمغفرة بحسب البحث السابق العام مراتب أربع: أولاها: الذنب المتعلق بالأمر والنهي المولويين وهو المخالفة لحكم شرعي فرعي أو أصلي وإن عممت التعبير قلت: مخالفة مادة من المواد القانونية دينية كانت أو غير دينية ، وتتعلق به مغفرة تحاذيه مرتبة.
والثانية: الذنب المتعلق بالحكم العقلي الخلقي والمغفرة المتعلقة به.
والثالثة: الذنب المتعلق بالحكم الأدبي ممن ظرف حياته ظرف الأدب والمغفرة المتعلقة به ، وهذان القسمان ربما لم يعدا بحسب الفهم العامي من الذنوب والمغفرات ، وربما حسبوهما منها مجازا ، وليس من المجاز في شيء لما عرفت من ترتب الآثار الحقيقية عليهما.