و الرابعة: الذنب الذي يحكم به ذوق الحب والمغفرة المتعلقة به ، وفي ظرف البغض أيضا ما يشبههما ، وهذا النوع لا يعده الفهم العامي من الأقسام ، وقد أخطئوا في ذلك لا لجور منهم في الحكم والقضاء بل لقصور فهمهم عن تعقله وتبين معناه.
وربما قال القائل منهم: أنه من أوهام العشاق والمبرسمين أو تخيل شعري لا يتكىء على حقيقة عقلية ، وقد غفل عن أن هذه التصورات على أنها أوهام وتخيلات في طريق الحياة الاجتماعية هي بعينها تعود حقائق - وأي حقائق - في طريق العبودية عن حب إلهي يذيب القلب ويوله اللب ، ولا يدع للإنسان شعورا يشعر بغير ربه ، ولا إرادة يريد بها إلا ما يريده.
وحينئذ يلوح له أن التفاتة يسيرة منه إلى نفسه أو إلى مشتهاها من شيء ذنب عظيم وحجاب غليظ لا ترفعه إلا المغفرة الإلهية ، وقد عد الله سبحانه الذنب حجابا للقلب عن التوجه التام إلى ربه إذ قال:"كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون":"المطففين: 15".
فهذا ما يعطيه البحث الجدي الذي لا يلعب فيه بالحقائق ، وربما أمكن أن يلوح لأولياء الله السالكين في عبوديتهم سبيل حبه تعالى دقائق من الذنب ولطائف من المغفرة لا تكاد تناله أيدي الأبحاث الكلية العامة.
5 -هل المؤاخذة أو المغفرة تستلزم ذنبا؟:
الباحث في ديدن العقلاء من أهل الاجتماع يعثر على أنهم يبنون المؤاخذة والعقاب على التكليف الاختياري ، ومن شرائط صحته عندهم العقل ، وهناك شرائط أخر تختلف في أصلها وفي تحديد ماهياتها وحدودها المجتمعات ، ولسنا هاهنا بصدد البحث عنها.
وإنما كلامنا في العقل الذي هو قوة التمييز بين الحسن والقبح والنافع والضار والخير والشر بحسب المتوسط من حال الناس في مجتمعهم ، فإن الناس من حيث النظر الاجتماعي يرون أن في الإنسان مبدأ فعالا هذا شأنه وإن كان البحث العلمي ربما أدى إلى أنه ليست قوة من القوى الطبيعية المودعة في الإنسان كالمتخيلة والحافظة ، وإنما هي ملكة حاصلة من توافق عدة من القوى في الفعل كالعدالة.
فالمجتمعات على اختلافها ترى أن التكليف منوط بهذا المسمى عقلا فيتفرع الثواب والعقاب المتفرعين على التكليف عليه لا محالة فيثاب العاقل بطاعته ويعاقب بجرمه.
وأما غير العاقل كالصبي والمجنون والسفيه وكل مستضعف غيرهم فلا ثواب ولا عقاب على ما يأتون به من طاعة أو معصية بحقيقة معنى الثواب والعقاب ، وإن كانوا ربما يثابون قبال طاعتهم ثوابا تشويقيا أو يؤاخذون ويساسون قبال جرمهم بما يسمى عقابا تأديبا ، وهذا شائع دائر في المجتمعات حتى المجتمع الإسلامي.
وهؤلاء بالنظر إلى السعادة والشقاوة المكتسبتين بامتثال التكاليف ومخالفتها في الحياة الدنيا ، لا سعداء ولا أشقياء إذ لا تكليف لهم فلا ثواب حتى يسعدوا به ولا عقاب حتى يشقوا به ، وإن كانوا ربما يشوقون بخير أو يؤدبون بشر.
وأما بالنسبة إلى الحياة الآخرة التي يثبتها الدين الإلهي ثم يقسم الناس إلى قسمين لا ثالث لهما: السعيد والشقي أو المثاب والمعاقب فالذي يذكره القرآن الشريف في ذلك أمر إجمالي لا يتبين تفصيله إذ لا طريق عقلا إلى تشخيص تفاصيل أحوالهم بعد الدنيا ، قال تعالى:"و آخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم":"التوبة: 160"، وقال تعالى:"إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا أ لم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ، إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا":"النساء: 99".