و الآيات - كما ترى - تشتمل على العفو عنهم والتوبة عليهم ولا مغفرة في مورد لا ذنب هناك ، وعلى عذابهم ولا عذاب على من لا تكليف له ، غير أنك عرفت أن الذنب وكذا المغفرة والعقاب والثواب ذوات مراتب مختلفة: منها ما يتعلق بمخالفة التكليف المولوي أو العقلي ، ومنها ما يتعلق بالهيئات النفسانية الرديئة وأدران القلب التي تحجب الإنسان عن ربه ، وهؤلاء وإن كانوا في معزل من تعلق التكليف المتوقف على العقل لكنهم ليسوا بمصونين من ألواث النفوس وأستار القلوب التي يحتاج التنعم بنعيم القرب ، والحضور في ساحة القدس إلى إزالتها وعفوها والستر عليها ومغفرتها.
ولعل هذا هو المراد مما ورد في بعض الروايات:"أن الله سبحانه يحشرهم ثم يخلق نارا ويأمرهم بدخولها فمن دخلها دخل الجنة ومن أبى أن يدخلها دخل النار"وسيجيء ما يتعلق بالروايات من الكلام في تفسير سورة التوبة إن شاء الله ، وقد مر بعض الكلام في سورة النساء.
ومن استعمال العفو والمغفرة في غير مورد الذنب في كلامه تعالى ما تكرر وقوعه في مورد رفع الحكم بقوله تعالى:"فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم":"المائدة: 3"، ونظيره ما في سورة الأنعام ، وقوله تعالى في رفع الوضوء عن فاقد الماء:"و إن كنتم مرضى أو على سفر - إلى أن قال - فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا":"النساء: 43"، وقوله في حد المفسدين في الأرض:"إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم":"المائدة: 34"، وقوله في رفع حكم الجهاد عن المعذورين:"ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم":"التوبة: 91"، إلى غير ذلك.
وقال تعالى في البلايا والمصائب التي تصيب الناس:"و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير":"الشورى: 30".
وينكشف بذلك أن صفة العفو والمغفرة منه تعالى كصفتي الرحمة والهداية تتعلق بالأمور التكوينية والتشريعية جميعا فهو تعالى يعفو عن الذنوب والمعاصي فيمحوها من صحيفة الأعمال ، ويعفو عن الحكم الذي له مقتض يقتضي وضعه فيمحوه فلا يشرعه ، ويعفو عن البلايا والمصائب وأسبابها قائمة فيمحوها فلا تصيب الإنسان.
6 -رابطة العمل والجزاء:
قد عرفنا فيما تقدم من البحث أن الأوامر والنواهي العقلائية - القوانين الدائرة بينهم - تستعقب آثارا جميلة حسنة على امتثالها وهي الثواب ، وآثارا سيئة على مخالفتها والتمرد منها تسمى عقابا ، وأن ذلك كالحيلة يحتالون بها إلى العمل بها ، فجعلهم الجزاء الحسن للامتثال إنما هو ليكون مشوقا للعامل ، والجزاء السيىء على المخالفة ليكون العامل على خوف وحذر من التمرد.
ومن هنا يظهر أن الرابطة بين العمل والجزاء رابطة جعلية وضعية من المجتمع أو من ولي الأمر ، دعاهم إلى هذا الجعل حاجتهم الشديدة إلى العمل ليستفيدوا منه ويرفعوا به الحاجة ويسدوا به الخلة ، ولذلك تراهم إذا استغنوا وارتفعت حاجتهم إلى العمل ساهلوا في الوفاء على ما تعهدوا به من ثواب وعقاب.
ولذلك أيضا ترى الجزاء يختلف كثرة وقلة والأجر يتفاوت شدة وضعفا باختلاف الحاجة إلى العمل فكلما زادت الحاجة زاد الأجر وكلما نقصت نقص فالأمر والمأمور والمكلف والمكلف بمنزلة البائع والمشتري كل منهما يعطي شيئا ويأخذ شيئا.
والأجر والثواب بمنزلة الثمن ، والعقاب بمنزلة الدرك على من أتلف شيئا فضمن قيمته واستقرت في ذمته.
وبالجملة فهو أمر وضعي اعتباري نظير سائر العناوين والأحكام والموازين الاجتماعية التي يدور عليها رحى الاجتماع الإنساني كالرئاسة والمرئوسية والأمر والنهي والطاعة والمعصية والوجوب والحرمة والملك والمال والبيع والشراء وغير ذلك ، وإنما الحقائق هي الموجودات الخارجية والحوادث المكتنفة بها التي لا تختلف حالها بغنى وفقر وعز وذل ومدح وذم كالأرض وما يخرج منها والموت والحياة والصحة والمرض والجوع والشبع والظمأ والري.