فهرس الكتاب

الصفحة 1330 من 4314

فهذا ما عند العقلاء من أهل الاجتماع ، والله سبحانه جارانا في كلامه مجاراة بعضنا بعضا فقلب سعادتنا التي يهدينا إليها بدينه في قالب السنن الاجتماعية فأمر ونهى ورغب وحذر ، وبشر وأنذر ، ووعد بالثواب وأوعد بالعقاب فصرنا نتلقى الدين على أسهل الوجوه التي نتلقى بها السنن والقوانين الاجتماعية ، قال تعالى:"و لو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا":"النور: 21".

ولم يهمل سبحانه أمر تعليم النفوس المستعدة لإدراك الحقائق فأشار في آيات من كلامه إلى أن وراء هذه المعارف الدينية التي تشتمل عليها ظواهر الكتاب والسنة أمرا هو أعظم ، وسرا هو أنفس وأبهى فقال تعالى:"و ما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان":"العنكبوت: 64".

فعد الحياة الدنيا لعبا لا بنية له إلا الخيال ، ولا شأن له إلا أن يشغل الإنسان عما يهمه ، وهي الدار الآخرة وسعادة الإنسان الدائمة التي لها حقيقة الحياة ، والمراد بالحياة الدنيا إن كان هو عين ما نسميه حياة دون ما يلحق بها من الشئون الحيوية من مال وجاه وملك وعزة وكرامة ونحوها فكونها لعبا ولهوا مع ما نراها من الحقائق يستلزم كون الشئون الحيوية لعبا ولهوا بطريق أولى ، وإن كان المراد الحياة الدنيوية بجميع لواحقها فالأمر أوضح.

فهذه السنن الاجتماعية والمقاصد التي يطلب بها من عز وجاه ومال وغيرها ، ثم الذي يشتمل عليه التعليم الديني من مواد ومقاصد هدانا الله سبحانه إليها بالفطرة ثم بالرسالة مثلها كمثل اللعب الذي يضعه الولي المربي العاقل للطفل الصغير الذي لا يميز صلاحه من فساده وخيره من شره ثم يجاريه فيه ليروض بدنه ويروح ذهنه ويهيئه لنظام العمل وابتغاء الفوز به ، فالذي يقع من العمل اللعبي هو من الصبي لعب جميل يهديه إلى حد العمل ، ومن الولي حكمة وعمل جدي ليس من اللعب في شيء.

وقال تعالى:"و ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ، وما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون":"الدخان: 39"والآية قريبة المضمون من الآية السابقة.

ثم شرح تعالى كيفية تأدية هذه التربية الصورية إلى مقاصدها المعنوية في مثل عام ضربه للناس فقال:"أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض":"الرعد: 17".

فظهر من بيانه تعالى أن بين العمل والجزاء رابطة حقيقية وراء الرابطة الوضعية الاعتبارية التي بينهما عند أهل الاجتماع ويجري عليها ظاهر تعليمه تعالى.

7 -والعمل يؤدي الرابطة إلى النفس:

ثم بين تعالى أن العمل يؤدي هذه الرابطة إلى النفس من جهة الهيأة النفسانية التي تحصل لها من العمل والحالة التي تؤديها إليها فقال تعالى:"و لكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم":"البقرة: 252"، وقال:"و إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله":"البقرة: 248"وفي هذا المعنى آيات أخر كثيرة.

ويتبين بها أن جميع الآثار المترتبة على الأعمال من ثواب أو عقاب إنما تترتب بالحقيقة على ما تكسبه النفوس من طريق الأعمال ، وأن ليس للأعمال إلا الوساطة.

ثم بين تعالى أن الذي سيواجههم من الجزاء على الأعمال إنما هو نفس الأعمال بحسب الحقيقة لا كما يضع الإنسان في مجتمعه عملا ثم يردفه بجزاء بل العمل محفوظ عند الله سبحانه بانحفاظ النفس العاملة ثم يظهره الله عليها يوم تبلى السرائر قال الله تعالى:"يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا":"آل عمران: 30"وقال تعالى:"لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون":"التحريم: 7"ودلالة الآيات ظاهرة ، وتلحق بها في ذلك آيات أخر كثيرة.

ومن أحسنها دلالة قوله تعالى:"لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد":"ق: 22"فإن هذا إشارة إلى مقام الجزاء الحاضر ، وقد عده غافلا عنه في الدنيا بقرينة قوله:"اليوم"ولا معنى للغفلة إلا عن أمر موجود ، ثم ذكر كشف غطائه عنه ، ولا وجه للغطاء إلا أن يكون هناك مغطى عليه ، فقد كان ما يلقاه ويبصره من الجزاء يوم القيامة حاضرا موجودا في الدنيا غير أنه لم يكشف عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت