قوله تعالى:"و لو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم"إلى آخر الآية ، إشارة إلى أن استكبارهم قد بلغ مبلغا لا ينفع معه حتى لو أنزلنا كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم فناله حسهم بالبصر والسمع ، وتأيد بعض حسهم ببعض فإنهم قائلون حينئذ لا محالة: هذا سحر مبين ، فلا ينبغي أن يعبأ باللغو من قولهم:"و لن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه": الإسراء: 93.
وقد نكر الكتاب في قوله:"كتابا في قرطاس"لأن هذا الكتاب نزل نوع تنزيل لا يقبل إلا التنزيل نجوما وتدريجا ، وقيده بكونه في قرطاس ليكون أقرب إلى ما اقترحوه ، وأبعد مما يختلج في صدورهم أن الآيات النازلة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من منشآت نفسه من غير أن ينزل به الروح الأمين على ما يذكره الله سبحانه:"نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين": الشعراء: 195.
قوله تعالى:"و قالوا لو لا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون"قولهم"لو لا أنزل عليه ملك"تحضيض للتعجيز ، وقد أخبرهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما كان يتلو عليهم من آيات الله النازلة عليه أن الذي جاء به إليه ملك كريم نازل من عند الله كقوله تعالى:"إنه لقول رسول كريم ، ذي قوة عند ذي العرش مكين ، مطاع ثم أمين": كورت: 21 إلى غيرها من الآيات.
فسؤالهم إنزال الملك إنما كان لأحد أمرين على ما يحكيه الله عنهم في كلامه: أحدهما: أن يأتيهم بما يعدهم النبي من العذاب كما قال تعالى:"فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود": حم السجدة: 13 وقال:"قل هو نبأ عظيم - إلى أن قال - إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين": ص: 70.
ولما كان نزول الملك انقلابا للغيب إلى الشهادة ، ولا مرمى بعده استعقب إن لم يؤمنوا - ولن يؤمنوا بما استحكم فيهم من قريحة الاستكبار - القضاء بينهم بالقسط ، ولا محيص حينئذ عن إهلاكهم كما قال تعالى:"و لو أنزلنا ملكا لقضي بينهم ثم لا ينظرون".
على أن نفوس الناس المتوغلين في عالم المادة القاطنين في دار الطبيعة لا تطيق مشاهدة الملائكة لو نزلوا عليهم واختلطوا بهم لكون ظرفهم غير ظرفهم فلو وقع الناس في ظرفهم لم يكن ذلك إلا انتقالا منهم من حضيض المادة إلى ذروة ما وراها وهو الموت كما قال تعالى:"و قال الذين لا يرجون لقاءنا لو لا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا ، يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا": الفرقان: 22 وهذا هو يوم الموت أو ما هو بعده بدليل قوله بعده"أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا": الفرقان: 24.
وقال تعالى بعده - وظاهر السياق أنه يوم آخر -:"و يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة ، تنزيلا الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا": الفرقان: 26 ولعلهم إياه كانوا يعنون بقولهم:"أو تأتي بالله والملائكة قبيلا": الإسراء: 92.
وبالجملة فقوله تعالى:"و لو أنزلنا ملكا لقضي الأمر"إلخ ، جواب عن اقتراحهم نزول الملك ليعذبهم ، وعلى هذا ينبغي أن يضم إليه ما وعده الله هذه الأمة أن يؤخر عنهم العذاب كما تشير إليه الآيات من سورة يونس:"و لكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ، ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ، قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل - إلى أن قال - ويستنبؤنك أ حق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين": يونس: 53 وفي هذا المعنى آيات أخرى كثيرة سنستوفي البحث عنها في سورة أخرى إن شاء الله.
وقال تعالى:"و ما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون": الأنفال: 33.
فالمتحصل من الآية أنهم يسألون نزول الملك ، ولا نجيبهم إلى ما سألوه لأنه لو نزل الملك لقضي بينهم ولم ينظروا وقد شاء الله أن ينظرهم إلى حين فليخوضوا فيما يخوضون حتى يلاقوا يومهم ، وسيوافيهم ما سألوه فيقضي الله بينهم.