و يمكن أن يقرر معنى الآية على نحو آخر وهو أن يكون مرادهم أن ينزل الملك ليكون آية لا ليأتيهم بالعذاب ، ويكون المراد من الجواب أنه لو نزل عليهم لم يؤمنوا به لما تمكن فيهم من رذيلة العناد والاستكبار وحينئذ قضي بينهم وهم لا ينظرون ، وهم لا يريدون ذلك.
وثانيهما: أن ينزل عليهم الملك ليكون حاملا لأعباء الرسالة داعيا إلى الله مكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو يكون معه رسولا مثله مصدقا لدعوته شاهدا على صدقه كما في قولهم فيما حكى الله:"و قالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لو لا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا:"الفرقان: 7. فإنهم يريدون أن الذي هو رسول من جانب الله لا يناسب شأنه أن يشارك الناس في عادياتهم من أكل الطعام واكتساب الرزق بالمشي في الأسواق بل يجب أن يختص بحياة سماوية وعيشة ملكوتية لا يخالطه تعب السعي وشقاء الحياة المادية فيكون على أمر بارز من الدعوة أو ينزل معه ملك سماوي فيكون معه نذيرا فلا يك في حقية دعوته وواقعية رسالته.
وهذا هو الذي تجيب عنه الآية التالية:"و لو جعلناه ملكا"الخ.
قوله تعالى:"و لو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون"اللبس بالفتح الستر بساتر لما يجب ستره لقبحه أو لحاجته إلى ذلك واللبس بالضم التغطية على الحق ، وكأن المعنى استعاري والأصل واحد.
قال الراغب في المفردات: لبس الثوب استتر به وألبسه غيره - إلى أن قال - وأصل اللبس بضم اللام ستر الشيء ويقال ذلك في المعاني يقال: لبست عليه أمره قال: وللبسنا عليهم ما يلبسون وقال: ولا تلبسوا الحق بالباطل ، لم تلبسون الحق بالباطل ، الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم و ، يقال: في الأمر لبسه أي التباس ، انتهى.
ومعمول يلبسون محذوف ، وربما استفيد من ذلك العموم والتقدير يلبس الكفار على أنفسهم أعم من لبس البعض على نفسه ، ولبس البعض على البعض الآخر.
أما لبسهم على غيرهم فكما يلبس علماء السوء الحق بالباطل لجهلة مقلديهم وكما يلبس الطواغيت المتبعون لضعفة أتباعهم الحق بالباطل كقول فرعون فيما حكى الله لقومه:"يا قوم أ ليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أ فلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين ، فلو لا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين ، فاستخف قومه فأطاعوه": الزخرف: 54 وقوله:"ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد": المؤمن: 29.
وأما لبسهم على أنفسهم فهو بتخييلهم إلى أنفسهم أن الحق باطل وأن الباطل حق ثم تماديهم على الباطل فإن الإنسان وإن كان يميز الحق من الباطل فطرة الله التي فطر الناس عليها ، وكان تلهم نفسه فجورها وتقواها غير أن تقويته جانب الهوى وتأييده روح الشهوة والغضب من نفسه تولد في نفسه ملكة الاستكبار عن الحق ، والاستعلاء على الحقيقة فتنجذب نفسه إليه ، وتغتر بعمله ، ولا تدعه يلتفت إلى الحق ويسمع دعوته ، وعند ذاك يزين له عمله ، ويلبس الحق بالباطل وهو يعلم كما قال تعالى:"أ فرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة": الجاثية: 23 وقال:"قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا": الكهف: 104.
وهذا هو المصحح لتصوير ضلال الإنسان في أمر مع علمه به فلا يرد عليه أن لبس الإنسان على نفسه الحق بالباطل إقدام منه على الضرر المقطوع وهو غير معقول.
على أنا لو تعمقنا في أحوال أنفسنا ثم أخذنا بالنصفة عثرنا على عادات سوء نقضي بمساءتها لكنا لسنا نتركها لرسوخ العادة وليس ذلك إلا من الضلال على علم ، ولبس الحق بالباطل على النفس والتلهي باللذة الخيالية والتوله إليها عن التثبت على الحق والعمل به ، أعاننا الله تعالى على مرضاته.
وعلى أي حال فقوله تعالى:"و لو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا"إلخ ، الجواب عن مسألتهم نزول الملك ليكون نذيرا فيؤمنوا به.
ومحصله أن الدار دار اختيار لا تتم فيها للإنسان سعادته الحقيقية إلا بسلوكه مسلك الاختيار ، واكتسابه لنفسه أو على نفسه ما ينفعه في سعادته أو يضره ، وسلوك أي الطريقين رضي لنفسه أمضى الله سبحانه له ذلك.