فهرس الكتاب

الصفحة 1347 من 4314

ثم وجدوا أن قوتهم لا تفي بالتسلط على تلك الحاجة أو الحوائج الضرورية فاضطروا إلى الخضوع إلى السبب المربوط بحاجتهم واتخاذه إلها ثم عبادته.

وإما لأنهم وجدوا هذا الإنسان الأعزل غرضا لسهام الحوادث محصورا بمكاره وشرور عامة عظيمة لا يقاومها كالسيل والزلزلة والطوفان والقحط والوباء ، وببلايا ومحن أخرى جزئية لا يحصيها كالأمراض والأوجاع والسقوط والفقر والعقم والعدو والحاسد والشانىء وغير ذلك ، ثم وضعوا لها أسبابا قاهرة هي المرسلة لها إليهم ، والقاصمة بها ظهورهم ، والمكدرة لصفوة عيشهم ، وهي مخلوقات علوية كأرباب الأنواع وأرواح الكواكب والأجرام العلوية فاتخذوها آلهة خوفا من سخطهم وعذابهم ، وعبدوها ليستميلوها بالعبادة ويرضوها بالخضوع والاستكانة فيخلصوا بذلك عن المكاره والرزايا ويأمنوا شرورها والمضار النازلة منها إليهم.

والآية أعني قوله:"قل أ غير الله أتخذ وليا"إلخ ، والآيات التالية لها تحتج على المشركين بقلب حجتيهم بعينهما إليهم أي تسلم أصل الحجة وتعدها حقة لكن تبين أن لازمها أن يعبد الله سبحانه وحده ، وينفى عنه كل شريك موضوع.

فقوله تعالى:"قل أ غير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم"إشارة إلى الحجة من المسلك الأول ، وهو مسلك الرجاء أن يعبد الإله لأنه منعم فيكون عبادته شكرا لإنعامه سببا لمزيده.

أمر سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبين لهم في صورة الاستفهام والسؤال أن الله سبحانه وحده هو الولي للنعمة التي يتنعم بها الإنسان وغيره لأنه هو الرازق الذي لا يحتاج إلى أن يرزقه غيره يطعم ولا يطعم ، والدليل عليه أنه تعالى هو الذي فطر السماوات والأرض ، وأخرجها من ظلمة العدم إلى نور الوجود ، وأنعم عليها بنعمة التحقق والثبوت ، ثم أفاض عليها بنعم لا يحصيها إلا هو لإبقاء وجودها ، ومنها الإطعام للإنسان وغيره فإن جميع هذه النعم المعدة لبقاء وجود الإنسان وغيره ، والأسباب التي تسوق تلك النعم إلى محال الاستحقاق كل ذلك ينتهي إلى فطرة وإيجاده الأشياء والأسباب ومسبباتها جميعا من صنعه.

فإليه سبحانه يرجع الرزق الذي من أهم مظاهره عند الإنسان الإطعام فيجب أن يعبد الله وحده لأنه هو الذي يطعمنا من غير حاجة إلى إطعام من غيره.

فظهر بما بيناه أولا: أن التعبير عن العبودية والتأله باتخاذ الولي في قوله:"أ غير الله أتخذ وليا"إنما هو لكون الحجة مسوقة من جهة إنعامه تعالى بالإطعام.

وثانيا: أن التعلق بقوله:"فاطر السماوات والأرض"إنما هو لبيان سبب انحصار الإطعام به تعالى كما تقدم تقريره ، وربما استفيد ذلك من التعريض الذي في قوله:"و لا يطعم"فإن فيه تعريضا بكون سائر من اتخذوهم آلهة محتاجين كعيسى وغيره إلى إطعام أو ما يجري مجراه.

ومن الممكن أن يستفاد من ذكره في الحجة أنه إشارة إلى مسلك آخر في إقامة الحجة على توحيده تعالى هو أشرف من المسلكين جميعا ، ومحصله أن الله سبحانه هو الموجد لهذا العالم ، وإلى فطرة ينتهي كل شيء فيجب الخضوع له.

ووجه كون هذا المسلك أشرف: هو أن المسلكين الآخرين وإن كانا أنتجا توحيد الإله من جهة أنه معبود لكنهما لا يخلوان مع ذلك من شيء ، وهو أنهما ينتجان وجوب عبادته طمعا في النعمة أو خوفا من النقمة فالمطلوب بالذات هو جلب النعمة أو الأمن من النقمة دونه تعالى وتقدس ، وأما هذا المسلك فإنه ينتج وجوب عبادة الله لأنه الله سبحانه.

وثالثا: أن اختصاص الإطعام من بين نعمه تعالى على كثرتها بالذكر إنما العناية فيه كون الإطعام بحسب النظر الساذج أوضح حوائج الحيوان العائش ومنه الإنسان.

ثم أمر سبحانه بعد تمام الحجة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يذكر لهم ما يؤيد به هذه الحجة العقلية ، وهو أن الله أمره من طريق الوحي أن يجري في اتخاذ الإله على الطريق الذي يهدي إليه العقل وهو التوحيد ، ونهاه صريحا أن يتخطاه إلى أن يلحق بالمشركين فقال:"قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم"ثم قال:"و لا تكونن من المشركين".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت