فهرس الكتاب

الصفحة 1348 من 4314

بقي هنا أمران: أحدهما: أن قوله:"أول من أسلم"إن كان المراد أول من أسلم من بينكم فهو ظاهر فقد أسلم ص قبل أمته ، وإن كان المراد به أول من أسلم من غير تقييد كما هو ظاهر الإطلاق كانت أوليته في ذلك بحسب الرتبة دون الزمان.

وثانيهما: أن نتيجة الحجة لما كانت هي العبودية وهي نوع خضوع وتسليم كان استعمال لفظة الإسلام في المقام أولى من لفظة الإيمان لما فيه من الدلالة على غرض العبادة ، وهو الخضوع.

قوله تعالى:"قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم"وهذا هو المسلك الثاني من المسلكين اللذين تقدم أن المشركين تعلقوا بهما في اتخاذ الآلهة ، وهو أن عبادة آلهتهم يؤمنهم من شمول سخطها ونزول عذابها.

وقد أخذ سبحانه في الحجة أخوف ما يجب أن يخاف منه من أنواع العذاب وأمره وهو عذاب الساعة التي ثقلت في السماوات والأرض كما أخذ في الحجة الأولى أحوج ما يحتاج إليه الإنسان بحسب بادىء النظر من النعم ، وهو الإطعام.

وقد قيل:"إن عصيت ربي"دون أن يقال: إن أشركت بربي إشارة إلى ما في قوله تعالى في الآية السابقة:"و لا تكونن من المشركين"من نهيه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الشرك فأدت الآية أن من الواجب علي عقلا أن أعبد الله وحده لأومن مما أخاف من عذاب يوم عظيم ، وهذا الذي دل عليه العقل دلني عليه الوحي من ربي.

وبهذا تناظر هذه الآية الآية السابقة من جهة إقامة الحجة العقلية أولا ثم تأييده بالوحي من الله سبحانه فافهم ذلك ، وهذا من لطائف إيجاز القرآن الكريم فقد اكتفى في إفادة هذا المعنى على سعته بمجرد وضع قوله:"عصيت"موضع أشركت.

قوله تعالى:"من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه"إلخ ، المعنى ظاهر الآية متممة للحجة المسرودة في الآية السابقة فظاهر الآية السابقة بحسب النظر البسيط إقامة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الحجة في وجوب التوحيد على نفسه بأن الله نهاه عن الشرك فيجب عليه توحيده ليؤمن عذاب الآخرة.

فيلوح لنظر المغفل غير المتدبر أن يرد عليه الحجة بأن النهي لما كان مختصا بك كما تدعيه يختص الخوف ثم وجوب التوحيد أيضا بك فلا تقتضي الحجة وجوب التوحيد ونفي الشريك على غيرك ، وتصير الحجة عليك لا على غيرك.

فأفاد بقوله:"من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه"أن عذابه مشرف على الجميع محيط بالكل لا مخلص عنه إلا برحمته فعلى كل إنسان أن يخاف من عذاب يومئذ على نفسه ما يخافه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على نفسه فالحجة عامة قائمة على جميع الناس لا خاصة به (صلى الله عليه وآله وسلم) .

قوله تعالى:"و إن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو"إلى آخر الآية ، قد كانت الحجتان المذكورتان في الآيات السابقة أخذتا أنموذجا مما يرجوه الإنسان وهو الإطعام وأنموذجا مما يخافه وهو عذاب يوم القيامة ، وتممتا بهما البيان ، ولم تتعرضا لسائر أنواع الضر وأقسام الخير التي يمس الله سبحانه بهما الإنسان ، والكل من الله عز اسمه.

فالآية توضح بالتصريح أن هناك من الضر ما هو غير عذاب يوم القيامة يمس الله سبحانه به الإنسان يجب أن يتوجه إليه تعالى في كشفه ، وأن من الخير ما يمس الله به الإنسان ولا راد لفضله ولا مانع يمنع من إفاضته لقدرته على كل شيء ، ورجاء الخير يوجب على الإنسان أن يتخذه سبحانه إلها معبودا.

ولما أمكن أن يتوهم أن كونه تعالى يمس الإنسان بضر أو بخير إنما يقتضي أن يتخذ معبودا ، والخصم لا ينكر ذلك.

وأما قصر الألوهية والمعبودية فيه تعالى فلا لأن ما اتخذوه من الآلهة هي أسباب متوسطة وشفعاء أقوياء لها تأثيرات في الكون من شر أو خير يوجب على الإنسان أن يتقرب إليها خوفا من شرها أو رجاء لخيرها.

دفعه بأن الله سبحانه هو القاهر فوق عباده لا يفوقه منهم أحد ولا يعادله فهم أنفسهم تحت قهره ، وكذا أفعالهم وآثارهم لا يعملون عملا من خير أو شر إلا بإذنه ومشيته غير مستقلين بأمر البتة ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا غير ذلك ، فما يطلع من أفق ذواتهم من أثر خيرا أو شرا ينتهي إلى أمره ومشيته وإذنه يستند إليه على ما يليق بساحة قدسه وعزته من الاستناد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت