فهرس الكتاب

الصفحة 1354 من 4314

و ربما ألحق بعضهم بذلك القائلين بجواز شفاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو الطاهرين من ذريته أو الأولياء الكرام من أمته فقضى بكون الاستشفاع بهم في شيء من حوائج الدنيا أو الآخرة شركا تشمله الآية وما يناظرها من الآيات الشريفة.

وكأنه خفي عليهم أنه تعالى أثبت الشفاعة إذا قارنت الإذن في كلامه من غير أن يقيده بدنيا أو آخرة ، فقال عز من قائل:"من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه": البقرة: 255.

على أنه تعالى قال:"و لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون": الزخرف: 86 فأثبت الشفاعة حقا للعلماء الشهداء بالحق ، والقدر المتيقن منهم الأنبياء ومنهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد أثبت الله سبحانه شهادته بقوله:"و جئنا بك على هؤلاء شهيدا": النساء: 41 ونص على علمه حيث قال:"و نزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء": النحل: 89 ، وقال:"نزل به الروح الأمين على قلبك": الشعراء: 194 وهل يعقل نزول الكتاب الذي هو تبيان كل شيء على قلب من غير علم به ، أو بعثه تعالى إياه شهيدا وليس بشهيد بالحق؟ وقال الله تعالى:"لتكونوا شهداء على الناس": البقرة: 143 ، وقال:"و يتخذ منكم شهداء": آل عمران: 140 ، وقال تعالى:"و تلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون": العنكبوت: 43 فأثبت في هذه الأمة شهداء علماء ولا يثبت إلا الحق.

وقال تعالى في أهل بيته (عليهم السلام) :"إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا": الأحزاب: 33 فبين أنهم مطهرون بتطهيره ، ثم قال:"إنه لقرآن كريم ، في كتاب مكنون ، لا يمسه إلا المطهرون": الواقعة: 79 فعدهم العلماء بالقرآن الذي هو تبيان كل شيء والمطهرون هم القدر المتيقن من هذه الأمة في الشهادة بالحق التي لا سبيل للغو والتأثيم إليها ، وقد أشبعنا الكلام في معنى الشفاعة في الجزء الأول من الكتاب فليراجع.

قوله تعالى:"إنه لا يفلح الظالمون"الفلاح والفوز والنجاح والظفر والسعادة ألفاظ قريبة المعنى ، ولهذا فسر الراغب الفلاح بإدراك البغية الذي هو معنى السعادة تقريبا ، قال في المفردات: الفلح: الشق ، وقيل الحديد بالحديد يفلح أي يشق ، والفلاح الأكار لذلك والفلاح الظفر وإدراك البغية ، وذلك ضربان دنيوي وأخروي: فالدنيوي الظفر بالسعادات التي تطيب بها حياة الدنيا وهو البقاء والغنى والعز وإياه قصد الشاعر بقوله: أفلح بما شئت فقد يدرك.

بالضعف وقد يخدع الأريب.

وفلاح أخروي ، وذلك أربعة أشياء: بقاء بلا فناء ، وغنى بلا فقر ، وعز بلا ذل ، وعلم بلا جهل.

انتهى ، فمن الممكن أن يقال: إن الفلاح هو السعادة سميت به لأن فيها الظفر وإدراك البغية بشق الموانع الحائلة دون المطلوب.

وهذا معنى جامع ينطبق على موارد الاستعمال كقوله:"قد أفلح المؤمنون": المؤمنون: 1 ، وقوله:"قد أفلح من زكاها": الشمس: 9 ، وقوله:"إنه لا يفلح الكافرون": المؤمنون: 117 إلى غير ذلك من الموارد.

فقوله:"إنه لا يفلح الظالمون"- وقد أخذ الظلم وصفا - معناه أن الظالمين لا يدركون بغيتهم التي تشبثوا لأجل إدراكها بما تشبثوا به فإن الظلم لا يهدي الظالم إلى ما يبتغيه من السعادة والظفر بواسطة ظلمه.

وذلك أن السعادة لن تكون سعادة إلا إذا كانت بغية ومطلوبا بحسب واقع الأمر وخارج الوجود ، ويكون حينئذ الشيء الذي يطلب هذه البغية والسعادة بحسب وجوده طبيعة كونه مجهزا بما يناسب هذه السعادة المطلوبة من الأسباب والأدوات كالإنسان الذي من سعادته المطلوبة أن يبقى بقاء بوضع البدل مكان ما تحلل من بنيته ثم هو مجهز بجهاز التغذي الدقيق الذي يناسب ذلك ، والأدوات والأسباب الملائمة له ، ثم في المادة الخارجية ما يوافق مزاج بنيته فيأخذها بالأسباب والأدوات المهيأة لذلك ، ثم يصفيه ويبدل صورته إلى ما يشابه صورة المتحلل من بدنه ثم يلصقه ببدنه فيعود البدن تاما بعد نقصانه ، وهذا حكم عام جار في جميع الأنواع الخارجية التي تناله حواسنا ويسعه استقراؤنا من غير تخلف واختلاف البتة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت