و على هذا يجري نظام الكون في مسيره فلكل غاية مطلوبة وسعادة مقصودة طريق خاص لا يسلك إليها إلا منه ، ولو توصل إليها من غير سببه الذي يألفها النظام أوجب ذلك العطل في السبب وبطلان الطريق ، وفي عطله وبطلانه فساد جميع ما يرتبط ويتعلق به من الأسباب والعلائق كالإنسان الذي فرض توصله إلى إبقاء الوجود من غير طريق التناول والالتقام والهضم فإن ذلك يفضي إلى عطل قوته الغاذية ، وفي عطله انحراف قوتيه المنمية والمولدة مثلا جميعا.
وقد اقتضت العناية الإلهية في هذه الأنواع التي تعيش بالشعور والإرادة أن تعيش بتطبيق أعمالها على ما حصلته من العلم بالخارج فلو انحرفت عن الخارج لعارض ما كان في ذلك بطلان العمل ، ولو تكرر ذلك بطلت الذات كالإنسان المريد للأكل إذا غلط وحسب السم غذاء أو الطين خبزا ونحو ذلك.
وللإنسان عقائد وآراء عامة متولدة من نظام الكون الخارجي يضعها أصلا ويطبق عمله عليها كالعائد الراجعة إلى المبدإ والمعاد ، والأحكام العملية التي يجعلها مقاييس لأعماله من العبادات والمعاملات.
وهذه طرق إلى السعادات الإنسانية بحسب طبعها لا طريق إليها دونها إذا سلكها الإنسان أدرك بغيته وظفر بسعادته ، ولو انحرف عنها إلى غيرها - وهو الظلم - لم يوصله إلى بغيته ولئن أوصله إليه لم يثبت عليه ، ولم يدم له ذلك فإن سائر الطرق والسبل مربوطة به فتنازعه في ذلك ، وتخالفه وتضاده بجميع ما لها من الوسع والطاقة ، ثم أجزاء الكون الخارجي الذي هو السبب لانتشاء هذه الآراء والأحكام لا توافقه في عمله ، ولا تزال على هذا الحال حتى تقلب له الأمر ، وتفسد عليه سعادته ، وتنغص عليه عيشته.
فالظالم ربما دعته طاغية الشره إلى أن يستعمل ما له من العزة بالإثم والقدرة الكاذبة في الحصول على بغية وسعادة من غير طريقه المشروع ، فيخالف الاعتقاد الحق لتوحيد الله سبحانه ، أو ينازع الحقوق المشروعة فيتعدى إلى أموال الناس فيغصبها ظلما ، أو إلى أعراض الناس فيهتك أستارهم عنوة ، أو إلى دمائهم ونفوسهم فيتصرف فيها من غير حق أو يعصي في شيء من نواميس العبودية لله سبحانه بصلاة أو صوم أو حج أو غيرها ، أو يقترف شيئا من الذنوب المتعلقة بذلك ، كالكذب والفرية والخدعة ونحوها.
يأتي بشيء من ذلك وربما أدرك ما قصده ، وهو طيب النفس بما ظفر به من مطلوبه بحسب زعمه ، وقد ذهب عن خسران صفقته وخيبة مسعاه في دنياه وآخرته.
أما في دنياه فلأن ما سلكه من الطريق إنما هو طريق الهرج والمرج واختلال النظام إذ لو كان طريقا حقا لعم ولو عم أبطل النظام ، ولو بطل النظام بطلت حياة المجتمع الإنساني فالنظام الذي يضمن بقاء النوع الإنساني كائنا ما كان ينازعه فيما حازه بعمله غير المشروع ، ولا يزال على المنازعة حتى يفسد عليه مقتضى عمله ونتيجة سعيه المشئوم عاجلا أو على مهل ولن يدوم ظلمه البتة.
وأما في الآخرة فلأن ظلمه مكتوب في صحيفة عمله ، وهو منقوش في لوح نفسه بما يورد عليها من الأثر ثم هو مجزي به عائش على وتيرته ، وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله.
قال الله تعالى:"أ فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون": البقرة: 85 ، وقال:"كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ، فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون": الزمر: 26 ، وقال:"و من الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق ، ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد": الحج: 10 إلى غير ذلك من الآيات وهي كثيرة.
والآيات - كما ترى - تشمل المظالم الاجتماعية والفردية فهي تصدق ما تقدم من البحث ، وأشملها مضمونا الآية المبحوث عنها:"إنه لا يفلح الظالمون".
قوله تعالى:"و يوم نحشرهم جميعا"إلى آخر الآيتين ، الظرف متعلق بمقدر والتقدير: واذكر يوم"إلخ"، وقد تعلقت العناية في الكلام بقوله"جميعا"للدلالة على أن العلم والقدرة لا يتخلفان عن أحد منهم ، فالله سبحانه محيط بجميعهم علما وقدرة سيحصيهم ويحشرهم ولا يغادر منهم أحدا.