فهرس الكتاب

الصفحة 1356 من 4314

و الجملة في مقام بيان قوله:"إنه لا يفلح الظالمون"كأنه لما قيل:"إنه لا يفلح الظالمون"سئل فقيل: وكيف ذلك؟ فقيل: لأن الله سيحشرهم ويسألهم عن شركائهم فيضلون عنهم ويفقدونهم فينكرون شركهم ويقسمون لذلك بالله كذبا ، ولو أفلح هؤلاء الظالمون في اتخاذهم لله شركاء لم يضل عنهم شركاؤهم ، ولم يكذبوا على أنفسهم بل وجدوهم على ما ادعوا من الشركة والشفاعة ونالوا شفاعتهم.

وقوله:"ثم لم تكن فتنتهم"إلخ ، قيل: المراد بالفتنة الجواب أي لم يكن جوابهم إلا أن أقسموا بالله على أنهم ما كانوا مشركين ، وقيل: الكلام على تقدير مضاف والمراد: لم تكن عاقبة افتتانهم بالأوثان إلا أن قالوا"إلخ"، وقيل: المراد بالفتنة المعذرة ، ولكل من الوجوه وجه.

قوله تعالى:"انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون"بيان لمحل الاستشهاد فيما قص من حالهم يوم القيامة ، والمراد أنهم سيكذبون على أنفسهم ويفقدون ما افتروا به ، ولو أفلحوا في ظلمهم وسعدوا فيما طلبوا لم ينجر أمرهم إلى فقد ذلك وإنكاره على أنفسهم.

أما كذبهم على أنفسهم فلأنهم لما أقسموا بالله أنهم ما كانوا مشركين أنكروا ما ادعوه في الدنيا من أن لله سبحانه شركاء ، وهم كانوا يصرون عليه ويعرضون فيه عن كل حجة واضحة وآية بينة ظلما وعتوا ، وهذا كذب منهم على أنفسهم.

وأما ضلال ما كانوا يفترونه عنهم فلأن اليوم يوم ينجلي فيه عيانا أن الأمر والملك والقوة لله جميعا ليس لغيره من شيء إلا ذلة العبودية ، والفقر والحاجة من غير أي استقلال قال تعالى:"و لو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب": البقرة: 165 ، وقال:"لمن الملك اليوم لله الواحد القهار": المؤمن: 16 وقال:"يوم لا تملك نفس لنفس شيئا ، والأمر يومئذ لله": الانفطار: 19.

فيشاهدون عندئذ مشاهدة عيان أن الألوهية لله وحده لا شريك له ، ويظهر لهم أوثانهم وشركاؤهم وهم لا يملكون ضرا ولا نفعا لأنفسهم ولا لغيرهم ، ووجدوا الأوصاف التي أثبتوها لهم من الربوبية والشفاعة وغيرهما إنما هي لله وحده ، وقد كان اشتبه عليهم الأمر فتوهموها لغيره وضل عنهم ما كانوا يفترون.

فإن استمدوا منهم ردوا عليهم ردا لا مطمع معه بعد قال تعالى:"و إذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون ، وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون": النحل: 87 وقال تعالى:"ذلكم الله ربكم له الملك والذين يدعون من دونه ما يملكون من قطمير ، إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم": الفاطر: 14 وقال تعالى:"و يوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون ، فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين ، هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون": يونس: 30.

وبالتدبير في هذه الآيات يظهر أن المراد بضلال ما افتروا به هو ظهور حقيقة شركائهم فاقدة لوصف الشركة والشفاعة وتبينهم أن ما ظهر لهم من ذلك في الدنيا لم يكن إلا ظهورا سرابيا كما قال تعالى:"و الذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه": النور: 39.

فإن قلت: إن الآيات المتعرضة لوصف يوم القيامة - كما تقدم - ظاهرة في بروز الحقائق وخروجها عن مكمن الخفاء والالتباس الذي هو من لوازم النشأة الأولى الدنيوية كما قال تعالى:"يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء": المؤمن: 16 فأي نفع حينئذ لكذبهم؟ وكيف يكذبون وما أخبروا به من الكذب مشهود خلافه عيانا؟ وقد قال تعالى:"يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء": آل عمران: 30.

قلت: كذبهم وحلفهم على الكذب يوم القيامة مما وقع في كلامه تعالى غير مرة ، ومثل الآية قوله تعالى:"يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم": المجادلة: 18 وليس كذبهم وحلفهم عليه للتوصل به إلى الأغراض الفاسدة وستر الحق كما يتوصل إليها بالكذب في الدنيا فإن الآخرة دار جزاء لا دار عمل واكتساب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت