لكنهم لكونهم اعتادوا أن يتفصوا من المخاطرات والمهالك ويجلبوا المنافع إليهم بالأيمان الكاذبة والأخبار المزورة خدعة وغرورا رسخت في نفوسهم ملكة الكذب ، والملكة إذا رسخت في النفس اضطرت النفس إلى إجابتها إلى ما تدعو إليه ، وذلك كما أن البذي الفحاش إذا استقرت في نفسه ملكة السب لا يقدر على الكف عنه وإن عزم عليه والمستكبر اللجوج العنود لا يملك من نفسه أن يتواضع ، وإن خضع في موقف المهلكة والذلة أحيانا فإنما يخضع ظاهرا وبلسانه ، وأما باطنا وفي قلبه فهو على حاله لم يتغير ولن يتغير البتة.
وهذا هو السر في كذبهم يوم القيامة لأنه يوم تبلى فيه السرائر والسريرة المعقودة على الكذب ليس فيها إلا الكذب فيظهر ما استقر فيه كما قال تعالى:"و لا يكتمون الله حديثا": النساء: 42 ونظيره التخاصم الدائر بين أهل الدنيا فإنه يظهر بعينه يوم القيامة بينهم ، وقد قص الله سبحانه ذلك في مواضع كثيرة من كلامه ، وأجمله في قوله:"إن ذلك لحق تخاصم أهل النار": ص: 64 هذا في أهل العذاب وأما أهل المغفرة والجنة فيظهر منهم هناك ما كان في نفوسهم هاهنا من الصفا والسلامة ، قال تعالى:"لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما ، إلا قيلا سلاما سلاما": الواقعة: 26 فافهم ذلك.
قوله تعالى:"و منهم من يستمع إليك"إلى آخر الآية ، الأكنة جمع كن بكسر الكاف وهو الغطاء الذي يكن فيه الشيء ويغطى ، والوقر هو الثقل في السمع ، والأساطير جمع أسطورة بمعنى الكذب والمين على ما نقل عن المبرد ، وكان أصله السطر وهو الصف من الكتابة أو الشجر أو الناس غلب استعماله فيما جمع ونظم ورتب من الأخبار الكاذبة.
وكان ظاهر السياق أن يقال: يقولون إن هذا إلا أساطير الأولين ، ولعل الإظهار للإشعار بالسبب في هذا الرمي وهو الكفر.
قوله تعالى:"و هم ينهون عنه وينئون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون"ينهون عنه أي عن اتباعه ، والنأي الابتعاد ، والقصر في قوله:"و إن يهلكون إلا أنفسهم"من قصر القلب فإنهم كانوا يحسبون أن النهي عنه والنأي عنه إهلاك له وإبطال للدعوة الإلهية ، ويأبى الله إلا أن يتم نوره فهم هم الهالكون من حيث لا يشعرون.
قوله تعالى:"و لو ترى إذ وقفوا على النار"إلى آخر الآيتين.
بيان لعاقبة جحودهم وإصرارهم على الكفر والإعراض عن آيات الله تعالى.
وقوله:"يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا"إلخ ، على قراءة النصب في"نكذب"و"نكون"تمن منهم للرجوع إلى الدنيا والانسلاك في سلك المؤمنين ليخلصوا به من عذاب النار يوم القيامة ، وهذا القول منهم نظير إنكارهم الشرك بالله وحلفهم بالله على ذلك كذبا من باب ظهور ملكاتهم النفسانية يوم القيامة فإنهم قد اعتادوا التمني فيما لا سبيل لهم إلى حيازته من الخيرات والمنافع الفائتة عنهم ، وخاصة إذا كان فوتها مستندا إلى سوء اختيارهم وقصور تدبيرهم في العمل ، ونظيره أيضا ما سيجيء من تحسرهم على ما فرطوا في أمر الساعة.
على أن التمني يصح في المحالات المتعذرة كما يصح في الممكنات المتعسرة كتمني رجوع الأيام الخالية وغير ذلك قال الشاعر: ليت وهل ينفع شيئا ليت.
ليت الشباب بوع فاشتريت.
وقوله:"بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل"إلخ ، ظاهر الكلام أن مرجع الضمائر أعني ضمائر"لهم"و"كانوا"و"يخفون"واحد وهو المشركون السابق ذكرهم ، وأن المراد بالقبل هو الدنيا فالمعنى أنه ظهر لهؤلاء المشركين حين وقفوا على النار ما كانوا هم أنفسهم يخفونه في الدنيا فبعثهم ظهور ذلك على أن تمنوا الرد إلى الدنيا ، والإيمان بآيات الله ، والدخول في جماعة المؤمنين.
ولم يبد لهم إلا النار التي وقفوا عليها يوم القيامة فقد كانوا أخفوها في الدنيا بالكفر والستر للحق والتغطية عليه بعد ظهوره لهم كما يشير إليه نحو قوله تعالى:"لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد": ق: 22.
وأما نفس الحق الذي كفروا به في الدنيا مع ظهوره لهم فهو كان بادئا لهم من قبل والسياق يأبى أن يكون مجرد ظهور الحق لهم مع الغض عن ظهور النار وهول يوم القيامة باعثا لهم على هذا التمني.