فهرس الكتاب

الصفحة 1363 من 4314

و وقوع المبدل في قوله:"و لا مبدل لكلمات الله"في سياق النفي ينفي أي مبدل مفروض سواء كان من ناحيته تعالى بأن يتبدل مشيته في خصوص كلمة بأن يمحوها بعد إثباتها أو ينقضها بعد إبرامها أو كان من ناحية غيره تعالى بأن يظهر عليه ويقهره على خلاف ما شاء فيبدل ما أحكم ويغيره بوجه من الوجوه.

ومن هنا يظهر أن هذه الكلمات التي أنبأ سبحانه عن كونها لا تقبل التبديل أمور خارجة عن لوح المحو والإثبات ، فكلمة الله وقوله وكذا وعده في عرف القرآن هو القضاء الحتم الذي لا مطمع في تغييره وتبديله ، قال تعالى:"قال فالحق والحق أقول": ص: 84 وقال تعالى:"و الله يقول الحق": الأحزاب: 4 ، وقال تعالى:"ألا إن وعد الله حق": يونس: 55 وقال تعالى:"لا يخلف الله الميعاد": الزمر: 20 وقد مر البحث المستوفى في معنى كلمات الله تعالى وما يرادفها من الألفاظ في عرف القرآن في ذيل قوله تعالى:"منهم من كلم الله": البقرة: 253.

وقوله في ذيل الآية:"و لقد جاءك من نبإ المرسلين"تثبيت واستشهاد لقوله:"و لقد كذبت رسل من قبلك"إلخ ، ويمكن أن يستفاد منه أن هذه السورة نزلت بعد بعض السور المكية التي تقص قصص الأنبياء كسورة الشعراء ومريم وأمثالهما ، وهذه السور نزلت بعد أمثال سورة العلق والمدثر قطعا فتقع سورة الأنعام على هذا في الطبقة الثالثة من السور النازلة بمكة قبل الهجرة ، والله أعلم.

قوله تعالى:"و إن كان كبر عليك إعراضهم - إلى قوله - فتأتيهم بآية"قال الراغب: النفق الطريق النافذ والسرب في الأرض النافذ فيه قال: فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض ، ومنه نافقاء اليربوع ، وقد نافق اليربوع ونفق ، ومنه النفاق وهو الدخول في الشرع من باب والخروج عنه من باب ، وعلى ذلك نبه بقوله: إن المنافقين هم الفاسقون أي الخارجون من الشرع ، وجعل الله المنافقين شرا من الكافرين فقال: إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ، ونيفق السراويل معروف ، انتهى.

وقال: السلم ما يتوصل به إلى الأمكنة العالية فيرجى به السلامة ثم جعل اسما لكل ما يتوصل به إلى شيء رفيع كالسبب قال تعالى: أم لهم سلم يستمعون فيه ، وقال: أو سلما في السماء ، وقال الشاعر: ولو نال أسباب السماء بسلم ، .

انتهى.

وجواب الشرط في الآية محذوف للعلم به ، والتقدير كما قيل: وإن استطعت أن تبتغي كذا وكذا فافعل.

والمراد بالآية في قوله تعالى:"فتأتيهم بآية"الآية التي تضطرهم إلى الإيمان فإن الخطاب عنى قوله:"و إن كان كبر عليك إعراضهم"إلخ ، إنما ألقي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من طريق القرآن الذي هو أفضل آية إلهية تدل على حقية دعوته ، ويقرب إعجازه من فهمهم وهم بلغاء عقلاء فالمراد أنه لا ينبغي أن يكبر ويشق عليك إعراضهم فإن الدار دار الاختيار ، والدعوة إلى الحق وقبولها جاريان على مجرى الاختيار ، وأنك لا تقدر على الحصول على آية توجب عليهم الإيمان وتلزمهم على ذلك فإن الله سبحانه لم يرد منهم الإيمان إلا على اختيار منهم فلم يخلق آية تجبر الناس على الإيمان والطاعة ، ولو شاء الله لآمن الناس جميعا فالتحق هؤلاء الكافرون بالمؤمنين بك فلا تبتئس ولا تجزع بإعراضهم فتكون من الجاهلين بالمعارف الإلهية.

وأما ما احتمله بعضهم: أن المراد: فتأتيهم بآية هي أفضل من الآية التي أرسلناك بها أي القرآن فلا تلائمه سياق الآية وخاصة قوله"و لو شاء الله لجمعهم على الهدى"فإنه ظاهر في الاضطرار.

ومن هنا يظهر أن المراد بالمشية أن يشاء الله منهم الاهتداء إلى الإيمان فيضطروا إلى القبول فيبطل بذلك اختيارهم هذا ما يقتضيه ظاهر السياق من الآية الشريفة.

لكنه سبحانه فيما يشابه الآية من كلامه لم يبن عدم مشيته ذلك على لزوم الاضطرار كقوله تعالى:"و لو شئنا لآتينا كل نفس هداها ، ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين": السجدة: 13 يشير تعالى بذلك إلى نحو قوله:"قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين": ص: 85 فبين تعالى أن عدم تحقق مشيته لهداهم جميعا إنما هو لقضائه ما قضى تجاه ما أقسم عليه إبليس أنه سيغويهم أجمعين إلا عباده منهم المخلصين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت