و قد أسند القضاء في موضع آخر إلى غوايتهم قال تعالى في قصة آدم وإبليس:"قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين ، إلا عبادك منهم المخلصين قال هذا صراط علي مستقيم ، إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ، وإن جهنم لموعدهم أجمعين": الحجر: 43 وقد نسب ذلك إليهم إبليس أيضا فيما حكى الله سبحانه من كلامه لهم يوم القيامة:"و قال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم - إلى أن قال - إني كفرت بما أشركتمون من قبل": إبراهيم: 22.
فالآيات تبين أن المعاصي ومنها الشرك تنتهي إلى غواية الإنسان والغواية تنتهي إلى نفس الإنسان ، ولا ينافي ذلك ما يظهر من آيات أخر أن الإنسان ليس له أن يشاء إلا أن يشاء الله منه المشية كقوله تعالى:"إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ، وما تشاءون إلا أن يشاء الله": الإنسان: 30 ، وقال تعالى:"إن هو إلا ذكر للعالمين ، لمن شاء منكم أن يستقيم ، وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين": التكوير: 29.
فمشية الإنسان في تحققها وإن توقفت على مشية الله سبحانه إلا أن الله سبحانه لا يشاء منه المشية إلا إذا استعد لذلك بحسن سريرته ، وتعرض منه لرحمته ، قال تعالى:"و يهدي إليه من أناب": الرعد: 27 أي انعطف ورجع إليه ، وأما الفاسق الزائغ قلبه المخلد إلى الأرض المائل إلى الغواية فإن الله لا يشاء هدايته ولا يغشاه برحمته كما قال:"يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين": البقرة: 26 وقال:"فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم": الصف: 5 وقال:"و لو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه": الأعراف: 176.
وبالجملة فالدعوة الدينية لا تسلك إلا سبيل الاختيار ، والآيات الإلهية لا تنزل إلا مع مراعاة الاختيار ، ولا يهدي الله سبحانه إليه إلا من تعرض لرحمته واستعد لهدايته من طريق الاختيار.
وبهذا تنحل شبهة أخرى لا تخلو عن إعضال ، وهي أنا سلمنا أن إنزاله تعالى آية تجبرهم على الإيمان وتضطرهم إلى قبول الدعوة الدينية ينافي أساس الاختيار الذي تبتني عليه بنية الدعوة الدينية لكن لم لا يجوز أن يشاء الله إيمان الناس جميعا على حد مشيته إيمان من آمن منهم بأن يشاء من الجميع أن يشاءوا كما شاء من المؤمنين خاصة أن يشاءوا ثم ينزل آية تسوقهم إلى الهدى ، وتلبسهم الإيمان من غير أن يبطل بذلك اختيارهم وحريتهم في العمل.
وذلك أنه وإن أمكن ذلك بالنظر إلى نفسه لكنه ينافي الناموس العام في عالم الأسباب ، ونظام الاستعداد والإفاضة فالهدى إنما يفاض على من اتقى الله وزكى نفسه وقد أفلح من زكاها ولا يصيب الضلال إلا من أعرض من ذكر ربه ودس نفسه وقد خاب من دساها ، وأصابه الضلال هو أن يمنع الإنسان الهدى قال تعالى:"من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ، كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا": الإسراء: 20 أي ممنوعا فالله سبحانه يمد كل نفس من عطائه بما يستحقه فإن أراد الخير أوتيه وإن أراد الشر أوتيه أي منع من الخير ، ولو شاء الله لكل نفس صالحة أو طالحة أن تشاء الخير وتنكب على الإيمان والتقوى من طريق الاختيار كان في ذلك إبطال النظام العام وإفساد أمر الأسباب.
وتؤيد ما ذكر الآية التالية أعني قوله تعالى:"إنما يستجيب الذين يسمعون"إلى آخر الآية على ما سيجيء من معناها.
قوله تعالى:"إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون"الآية كالبيان لقوله:"و إن كان كبر عليك إعراضهم"إلى آخر الآية فإن ملخصه أنك لا تستطيع صرفهم عن هذا الإعراض ، والحصول على آية تسوقهم إلى الإيمان ، فبين في هذه الآية أنهم بمنزلة الموتى لا شعور لهم ولا سمع حتى يشعروا بمعنى الدعوة الدينية ويسمعوا دعوة الداعي وهو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .