و من عجيب ما قيل في الآية استدلال بعضهم بها على التناسخ وهو أن تتعلق نفس الإنسان بعد مفارقتها البدن بالموت ببدن واحد من الحيوان يناسبها في الخلق الرذيل الذي رسخ فيها كأن تتعلق نفس المكار بدن ثعلب ، ونفس المفسد الحقود ببدن الذئب ، ونفس من يتبع سقطات الناس وعوراتهم ببدن خنزير ، ونفس الشره الأكول ببدن البقر ، وهكذا ولا تزال تنتقل من بدن إلى بدن وتعذب بذلك هذا إن كانت شقية ذات أخلاق رذيلة ، وإن كانت سعيدة تعلقت بعد الموت ببدن سعيد منعم بسعادته من أفاضل أفراد الإنسان ومعنى الآية على هذا: ما من حيوان من الحيوانات إلا أمم إنسانية أمثالكم انتقلت بعد الموت إلى صور الحيوانات.
وقد ظهر مما تقدم أن الآية في معزل من هذا المعنى ، على أن ذيل الآية:"ثم إلى ربهم يحشرون"لا يلائم هذا المعنى ، على أن أمثال هذه الأقاويل من وضوح الفساد بحيث لا طائل في التعرض لها والبحث عن صحتها وسقمها.
ومن عجيب ما قيل فيها أيضا: إن المراد بحشر الحيوان موتها فلا بعث بعد ذلك أو مجموع الموت والبعث.
أما الأول فينفيه ظاهر قوله:"إلى ربهم"إذ لا معنى للموت إلى الله ، وأما الثاني فهو من الالتزام بما لا يلزم إذ لا موجب لضم الموت إلى البعث في المعنى ، ولا أن في الآية ما يستوجبه.
قوله تعالى:"و الذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات"إلى آخر الآية يريد تعالى أن المكذبين لآياته محرومون من نعمة السمع والتكلم والبصر لكونهم في ظلمات لا يعمل فيها البصر فهم لصممهم لا يقدرون على أن يسمعوا الكلام الحق وأن يستجيبوا له ، ولبكمهم لا يستطيعون أن يتكلموا بالقول الحق ويشهدوا بالتوحيد والرسالة ، ولإحاطة الظلمات بهم لا يسعهم أن يبصروا طريق الحق فيتخذوه طريقا.
وفي قوله تعالى:"من يشأ الله يضلله"إلخ ، دلالة على أن هذا الصمم والبكم والوقوع في الظلمات إنما هي رجز وقع عليهم منه تعالى جزاء لتكذيبهم بآيات الله فإن الله سبحانه جعل إضلاله المنسوب إليه من قبيل الجزاء ، كما في قوله:"و ما يضل به إلا الفاسقين": البقرة: 26.
فتكذيب آيات الله غير مسبب عن كونهم صما بكما في الظلمات بل الأمر بالعكس وعلى هذا فالمراد بالإضلال بحسب الانطباق على المورد هو جعلهم صما بكما في الظلمات والمراد بمن شاء الله ضلاله هم الذين كذبوا بآياته.
وبالمقابلة يظهر أن المراد بالجعل على صراط مستقيم هو أن يعطيه سمعا يسمع به فيجيب داعي الله بلسانه ويتبصر بالحق ببصره ، وأن هذا جزاء من لا يكذب بآيات الله سبحانه فمن يشأ الله يضلله ولا يشاء إلا إضلال من يستحقه ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ولا يشاء ذلك إلا لمن تعرض لرحمته.
وقد تقدم البحث عن حقيقة معنى ما يصفهم الله تعالى به من الصمم والبكم والعمى وما يشابه ذلك من الصفات ، وقد عني في الآية بنكتة أخرى ، وهي ما يفيده الوصل والفصل في قوله:"صم وبكم في الظلمات"حيث ذكر الصمم وهو من أوصافهم ثم ذكر البكم وعطفه عليه وهو صفة ثانية ، ثم ذكر كونهم في الظلمات ولم يعطفها وهي صفة ثالثة ، وبالجملة وصل بعض الصفات وفصل بعضها ، وقد أتى في مثل الآية بحسب المعنى بالفصل أعني قوله في المنافقين:"صم بكم عمي": البقرة: 18 ، وفي آية أخرى يماثلها بالعطف وهي قوله في الكفار:"ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة": البقرة: 7.
ولعل النكتة في الآية التي نحن فيها أعني قوله:"صم وبكم في الظلمات"، الإشارة إلى كون من هم صم غير الذين هم بكم فالصم هم الجهلاء المقلدون الذين يتبعون كبراءهم فلا يدع لهم ذلك سمعا يسمعون به الدعوة الحقة ، والبكم هم العظماء المتبوعون الذين لهم علم بصحة الدعوة إلى التوحيد وبطلان الشرك ، غير أنهم لعنادهم وبغيهم بكم لا تنطلق ألسنتهم إلى الاعتراف بكلمة الحق والشهادة بها ، والطائفتان جميعا تشتركان في أنهما واقعتان في ظلمة لا يتبصر فيها إلى الحق ، ولا يسع غيرهما أن يبصرهما بشيء من الإشارات لمكان وقوعهما في الظلمات فلا تنجح فيها الإشارة.
ويؤيد ذلك أن الكلام المسرود في الآيات يعم الطائفتين جميعا كما يشير إليه قوله تعالى في الآيات السابقة:"و هم ينهون عنه وينأون عنه": آية: 26 ، وكذا قوله:"و لكن أكثرهم لا يعلمون": آية: 37.