فهرس الكتاب

الصفحة 1375 من 4314

هذا في الآية التي نحن فيها ، وأما آية المنافقين:"صم بكم عمي"، فالعناية فيها باجتماع جميع هذه الصفات فيهم في زمان واحد لانقطاعهم عن رحمة الله من كل جهة ، وأما آية الكفار:"ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة"فقد تعلقت العناية فيها بكون ختم السمع من غير جنس ختم القلوب كما حكاه عنهم في قوله:"و قالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب": حم السجدة: 5 وربما وجهت الآية بغير ذلك من الوجوه.

قوله تعالى:"قل أ رأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة"إلى آخر الآيتين لفظ"أ رأيتكم"بهمزة الاستفهام وصيغة المفرد المذكر الماضي من الرؤية وضمير الجمع المخاطب ، أخذه أهل الأدب بمعنى أخبرني ، قال الراغب في المفردات: ، ويجري"أ رأيت"مجرى أخبرني فيدخل عليه الكاف ويترك التاء على حالته في التثنية والجمع والتأنيث ، ويسلط التغيير على الكاف دون التاء ، قال تعالى:"أ رأيتك هذا الذي"قل أ رأيتكم ، انتهى.

وفي الآية تجديد احتجاج على المشركين ، وإقامة حجة على بطلان شركهم من وجه ، وهو أنها تفرض عذابا آتيا من جانب الله أو إتيان الساعة إليهم ثم تفرض أنهم يدعون في ذلك من يكشف العذاب عنهم على ما هو المغروز في فطرة الإنسان أنه يتوجه بالمسألة إذا بلغت به الشدة نحو من يقدر أن يكشفها عنه.

ثم تسألهم أنه من الذي تدعونه وتتوجهون إليه بالمسألة إن كنتم صادقين؟ أ غير الله تدعون من أصنامكم وأوثانكم التي سميتموها من عند أنفسكم آلهة أم إياه تدعون؟ وهيهات أن تدعوا غيره وأنتم تشاهدون حينئذ أنها محكومة بالأحكام الكونية مثلكم لا ينفعكم دعاؤها شيئا.

بل تنسون هؤلاء الشركاء المسمين آلهة لأن الإنسان إذا أحاطت به البلية وهزهزته الهزاهز ينسى كل شيء دون نفسه إلا أن في نفسه رجاء أن ترتفع عنه البلية ، والرافع الذي يرجو رفعها منه هو ربه ، فتنسون شركاءكم وتدعون من يرفعها من دونهم وهو الله عز اسمه فيكشف الله سبحانه ما تدعون كشفه إن شاء أن يكشفه ، وليس هو تعالى بمحكوم على الاستجابة ولا مضطرا إلى الكشف إذا دعي بل هو القادر على كل شيء في كل حال.

فإذا كان الله سبحانه هو الرب القدير الذي لا ينساه الإنسان وإن نسي كل شيء إلا نفسه ويضطر إلى التوجه إليه ببعث من نفسه عند الشدائد القاصمة الحاطمة دون غيره من الشركاء المسمين آلهة فهو سبحانه هو رب الناس دونها.

فمعنى الآية"قل"يا محمد"أ رأيتكم"أخبروني"إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة"فرض إتيان عذاب من الله ولا ينكرونه ، وفرض إتيان الساعة ولم يعبأ بإنكارهم لظهوره"أ غير الله تدعون"لكشفه ، وقد حكى الله في كلامه عنهم سؤال كشف العذاب في الدنيا ويوم القيامة جميعا لما أن ذلك من فطريات الإنسان"إن كنتم صادقين"وجئتم بالنصفة"بل إياه"الله سبحانه دون غيره من أصنامكم"تدعون فيكشف ما تدعون إليه"من العذاب"إن شاء"أن يكشفه كما كشف لقوم يونس ، وليس بمجبر ولا مضطرا إلى القبول لقدرته الذاتية"و تنسون ما تشركون"من الأصنام والأوثان على ما في غريزة الإنسان أن يشتغل عند إحاطة البلية به عن كل شيء بنفسه ، ولا يهم إلا بنفسه لضيق المجال به أن يتلهى بما لا ينفعه ، فاشتغاله والحال هذه بدعاء الله سبحانه ونسيانه الأصنام أصرح حجة أنه تعالى هو الله لا إله غيره ولا معبود سواه.

وبما تقدم من تقرير معنى الآية يتبين أولا: أن إتيان العذاب أو الساعة ، وكذا الدعاء لكشفه مفروضان في حجة الآية ، والمطلوب بيان أن المدعو حينئذ هو الله عز اسمه دون الأصنام ، وأما أصل الدعاء عند الشدائد والمصائب ، وأن للإنسان توجها جبليا عند ما تطل عليه البلية ويتقطع عنه كل سبب إلى من يكشفها عنه فهو حجة أخرى غير هذه الحجة ، والمطلوب بهذه الحجة - وهي التي في هذه الآية - التوحيد وبتلك الحجة إثبات الصانع من غير نظر إلى توحيده ، وإن تلازم المطلوبان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت