فهرس الكتاب

الصفحة 1376 من 4314

و ثانيا: أن تقييد قوله:"فيكشف ما تدعون إليه"، بقوله:"إن شاء"لبيان إطلاق القدرة فلله سبحانه أن يكشف كل شديدة حتى الساعة التي لا ريب فيها ، فإن قضاءه الحتم لأمر من الأمور وإن كان يحتمه ويوجبه لكنه لا يسلب عنه القدرة على الترك فله القدرة المطلقة على ما قضى به ، وما لم يقض به ومثل الساعة في ذلك كل عذاب غير مردود وأمر محتوم إن يشأ يأت به وإن لم يشأ لم يأت به وإن كان يشاء دائما ما قضى به قضاء حتما ووعده وعدا جزما والله لا يخلف الميعاد فافهم ذلك.

وله سبحانه أن لا يجيب دعوة أي داع دعاه وإن عرف نفسه بأنه مجيب ، فقال:"و إذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان": البقرة: 186 ووعد الاستجابة لداعيه وعدا بتيا ، فقال:"ادعوني أستجب لكم": المؤمن: 60 فإن وعد الاستجابة لا يسلب عنه القدرة على عدم الاستجابة وإن كان يستجيب دائما كل من دعاه بحقيقة الدعاء ، وتجري على ذلك سنته صراطا مستقيما لا تخلف فيه.

ومن هنا يظهر فساد ما استشكل على الآية بأن مدلولها يخالف ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة أن الساعة لا ريب فيها ولا محيص عن وقوعها وأن عذاب الاستئصال لا مرد له ، وقد قال تعالى:"و ما دعاء الكافرين إلا في ضلال": المؤمن: 50. وجه الفساد أن الآية لا تدل على أزيد من أن الله سبحانه أن يفعل ما يشاء وأنه قادر على كل شيء ، وأما أنه يشاء كل شيء ويفعل كل شيء فلا دلالة فيها على ذلك ولا ريب أن قضاءه الحتمي بوقوع الساعة أو بعذاب قوم عذاب استئصال لا يبطل قدرته على خلافه فله أن يخالف إن شاء وإن كان لا يخلف الميعاد ولا ينقض ما أراد.

وأما قوله تعالى:"و ما دعاء الكافرين إلا في ضلال"فهو دعاؤهم في جهنم لكشف عذابها وتخفيفه عنهم ، ومن المعلوم أن الدعاء مع تحتم الحكم وفصل القضاء لا يتحقق بحقيقته فإن سؤال أن لا يبعث الله الخلق أو لا يعذب أهل جهنم فيها من الله سبحانه بمنزلة أن يسأل الله سبحانه أن لا يكون هو الله سبحانه فإن من لوازم معنى الألوهية أن يرجع إليه الخلق على حسب أعمالهم فلمثل هذه الأدعية صورة الدعاء فقط دون حقيقة معناها ، وأما لو تحقق الدعاء بحقيقته بأن يدعى حقيقة ويتعلق ذلك الدعاء بالله حقيقة كما هو ظاهر قوله:"أجيب دعوة الداع إذا دعان"الآية ، فإن ذلك لا يرد البتة ، والدعاء على هذا النعت لا يدع الكافر كافرا ولو حين الدعاء كما قال تعالى:"فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون": العنكبوت: 65.

فما في قوله:"و ما دعاء الكافرين إلا في ضلال"دعاء منهم وهم على الكفر فإن الثابت من ملكة الكفر لا يفارقهم في دار الجزاء وإن كان من الجائز أن يفارقهم في دار العمل بالتوبة والإيمان.

فدعاؤهم لكشف العذاب عنهم يوم القيامة أو في جهنم ككذبهم على الله يوم القيامة بقولهم - كما حكى الله - والله ربنا ما كنا مشركين ، ولا ينفع اليوم كذب غير أنهم اعتادوا ذلك في الدنيا ورسخت رذيلتهم في نفوسهم فبرزت عنهم آثاره يوم تبلى السرائر ، ونظير أكلهم وشربهم وخصامهم في النار ، ولا غنى لهم في شيء من ذلك ، كما قال تعالى:"تسقى من عين آنية ليس لهم طعام إلا من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع": الغاشية: 7 ، وقال تعالى:"ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم": الواقعة: 55 ، وقال تعالى:"إن ذلك لحق تخاصم أهل النار": ص: 64 ، فهذا كله من قبيل ظهور الملكات فيهم.

وما قبل الآية يؤيد ما ذكرناه من أن دعاءهم ليس على حقيقته وهو قوله تعالى:"و قال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب ، قالوا أ ولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال": المؤمن: 50 ، فإن مسألتهم خزنة النار أن يدعوا الله لهم في تخفيف العذاب ظاهر في أنهم آيسون من استجابة دعائهم أنفسهم ، والدعاء مع اليأس عن الاستجابة ليس دعاء ومسألة حقيقية إذ لا يتعلق الطلب بما لا يكون البتة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت