فهرس الكتاب

الصفحة 1377 من 4314

و ثالثا: أن النسيان في قوله:"و تنسون ما تشركون"حقيقة معناه على ما هو المشهود من حال الإنسان عند ما تغشاه الشدائد والخطوب إذ يشتغل بنفسه وينسى كل أمر دونها إلا الله سبحانه فلا موجب للالتزام بما ذكره بعضهم: أن المراد بقوله:"و تنسون ما تشركون"تعرضون عنها إعراض من نسي الشيء عنه.

وإن كان لا مانع من ذلك لكونه من المجازات الشائعة لكلمة النسيان ، وقد استعمل في القرآن النسيان بمعنى الإعراض عن الشيء وعدم الاعتناء به كثيرا كما قال تعالى:"و قيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا": الجاثية: 34 إلى غير ذلك من الآيات.

قوله تعالى:"و لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون"البأساء والبأس والبؤس هو الشدة والمكروه إلا أن البؤس يكثر استعماله في الحرب ونحوه والبأس والبأساء في غيره كالفقر والجدب والقحط ونحوها ، والضر والضراء هو سوء الحال فيما يرجع إلى النفس كغم وجهل أو ما يرجع إلى البدن كمرض ونقص بدني أو ما يرجع إلى غيرهما كسقوط جاه أو ذهاب مال ، ولعل المقصود من الجمع بين البأساء والضراء الدلالة على تحقق الشدائد في الخارج كالجدب والسيل والزلزلة ، وما يعود إلى الناس من قبلها من سوء الحال كالخوف والفقر ورثاثة الحال.

والضراعة هي المذلة والتضرع التذلل والمراد به التذلل إلى الله سبحانه لكشف ما نزل عليهم من نوازل الشدة والرزية.

والله سبحانه يذكر لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الآية وما يتلوها إلى تمام أربع آيات سنته في الأمم التي من قبله إذ جاءتهم رسلهم بالبينات: أنه كان يرسل إليهم الرسل فيذكرونهم بتوحيد الله سبحانه والتضرع وإخلاص الإنابة إليه ثم يبتليهم بأنواع الشدة والمحن ويأخذهم بالبأساء والضراء ولكن بمقدار لا يلجئهم إلى التضرع ولا يضطرهم إلى الابتهال والاستكانة لعلهم يتضرعون إليه بحسن اختيارهم ، ويلين قلوبهم فيعرضوا عن التزيينات الشيطانية وعن الإخلاد إلى الأسباب الظاهرية لكنهم لم يتضرعوا إليه بل أقسى الاشتغال بأعراض الدنيا قلوبهم وزين لهم الشيطان أعمالهم ، وأنساهم ذلك ذكر الله.

فلما نسوا ذكر الله سبحانه فتح الله عليهم أبواب كل شيء وصب عليهم نعمه المتنوعة صبا حتى إذا فرحوا بما عندهم من النعم واغتروا واستقلوا بأنفسهم من دون الله أخذهم الله بغتة ومن حيث لا يشعرون به فإذا هم آيسون من النجاة شاهدون سقوط ما عندهم من الأسباب فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين.

وهذه السنة سنة الاستدراج والمكر الذي لخصها الله تعالى في قوله:"و الذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين": الأعراف: 183.

وبالتأمل فيما تقدم من تقرير معنى الآية والتدبر في سياقها يظهر أن الآية لا تنافي سائر الآيات الناطقة بأن الإنسان مفطور على التوحيد ملجأ باقتضاء من فطرته وجبلته إلى الإقرار به والتوجه إليه عند الانقطاع عن الأسباب الكونية كما قال تعالى:"و إذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور": لقمان: 32.

وذلك أن الآية لا تريد من البأساء والضراء إلا ما لا يبلغ من الشدة والمهابة مبلغا يذهلون به عن كل سبب وينسون به كل وسيلة عادية ، ومن الدليل على ذلك قوله في الآية:"لعلهم يتضرعون"إذ"لعل"كلمة رجاء ولا رجاء مع الإلجاء والاضطرار ، وكذا قوله تعالى:"و زين لهم الشيطان ما كانوا يعملون"فإن ظاهره أنهم اغتروا بذلك وتوسلوا في رفع البأساء والضراء إلى أعمالهم التي عملوها بأيديهم ودبروها بتدابيرهم للغلبة على موانع الحياة وأضداد العيش فاشتغلوا بالأسباب الطبيعية الملهية إياهم عن التضرع إلى الله سبحانه والاعتصام به ، كقوله تعالى:"فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون ، فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين": المؤمن: 84 ، فالآية الأولى - كما ترى - تحكي عنهم نظير ما تحكيه الآية التي نحن فيها من الإعراض عن التضرع والاغترار بالأعمال ، والآية الثانية تحكي ما تحكيه الآيات الأخرى من التوحيد في حال الاضطرار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت