و من هنا يظهر فساد ما يظهر من بعضهم أن ظاهر الآية كون الأمم السابقة مستنكفة عن التوحيد معرضة عن التضرع حتى في الشدائد الملجئة قال في تفسير الآية: أقسم الله تعالى لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه أرسل رسلا قبله إلى أمم قبل أمته فكانوا أرسخ من قومه في الشرك ، وأشد منهم إصرارا على الظلم فإن قومه يدعون الله وحده عند شدة الضيق ، وينسون ما اتخذوه من الأولياء والأنداد ، وأما تلك الأمم فلم تلن الشدائد قلوبهم ، ولم تصلح ما أفسد الشيطان من فطرتهم ، انتهى.
ولازم ما ذكره أن لا يكون التوحيد فطريا يظهر عند ارتفاع الأوهام الشاغلة والانقطاع عن الأسباب الظاهرة أو أن يمكن إبطال حكم الفطرة من أصله ، وقد قال تعالى:"فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله": الروم: 30 فأفاد أن دين التوحيد فطري ، وأن الفطرة لا تقبل التغيير بمغير وأيد ذلك بآيات أخر ناصة على أن الإنسان عند انقطاعه عن الأسباب يتوجه إلى ربه بالدعاء مخلصا له الدين لا محالة.
على أن الإقرار بالإله الواحد عند الشدة والانقطاع مما نجده من أنفسنا وجدانا ضروريا ولا يختلف في ذلك الإنسان الأولي وإنسان اليوم البتة.
قوله تعالى:"فلو لا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم"إلخ ،"لو لا"للتحضيض أو للنفي ، وعلى أي حال تفيد في المقام فائدة النفي بدليل قوله:"و لكن قست قلوبهم"وقسوة القلب مقابل لينه ، وهو كون الإنسان لا يتأثر عن مشاهدة ما يؤثر فيه عادة أو عن استماع كلام شأنه التأثير.
والمعنى: فلم يتضرعوا حين مجيء البأس ولم يرجعوا إلى ربهم بالتذلل بل أبت نفوسهم أن تتأثر عنه ، وتلهوا بأعمالهم الشيطانية الصارفة لهم عن ذكر الله سبحانه ، وأخلدوا إلى الأسباب الظاهرة التي كانوا يرون استقلالها في إصلاح شأنهم.
قوله تعالى:"فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء"إلخ ، المراد بفتح أبواب كل شيء إيتاؤهم من كل نعمة من النعم الدنيوية التي يتنافس فيها الناس للتمتع من مزايا الحياة من المال والبنين وصحة الأبدان والرفاهية والخصب والأمن والطول والقوة ، كل ذلك توفيرا من غير تقتير ومنع كما أن خزانة المال إذا أعطي منها أحد بقدر وميزان فتح بابها فأعطي ما أريد ثم سد ، وأما إذا أريد الإعطاء من غير تقدير فتح بابها ولم يسد على وجه قاصده بالجملة كناية عن إيتائهم أنواع النعم من غير تقدير على ما يساعده المقام.
على أن فتح الباب إنما يناسب بحسب الطبع الحسنات والنعم وأما السيئات والنقم فإنما تتحقق بالمنع ويناسبها سد الباب كما يلمح إليه قوله تعالى:"ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده": فاطر: 2.
ومبلسون من أبلس إبلاسا ، قال الراغب: الإبلاس الحزن المعترض من شدة اليأس - إلى أن قال - ولما كان المبلس كثيرا ما يلزم السكوت وينسى ما يعنيه ، قيل: أبلس فلان إذا سكت وإذا انقطعت حجته ، انتهى.
وعلى هذا المعنى المناسب لقوله:"فإذا هم مبلسون"أي خامدون منقطعوا الحجة.
ومعنى الآية أنهم لما نسوا ما ذكروا به أو أعرضوا عنه آتيناهم من كل نعمة استدراجا حتى إذا تمت لهم النعم وفرحوا بما أوتوا منها أخذناهم فجأة فانخمدت أنفاسهم ولا حجة لهم لاستحقاقهم ذلك.
قوله تعالى:"فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين"دبر الشيء مقابل قبله وهما الجزءان: المقدم والمؤخر من الشيء ، ولذا يكنى بهما عن العضوين المخصوصين ، وربما توسع فيهما فأطلقا على ما يلي الجزء المقدم أو المؤخر فينفصلان عن الشيء ، وقد اشتق منهما الأفعال بحسب المناسبة نحو أقبل وأدبر وقبل ودبر وتقبل وتدبر واستقبل واستدبر ، ومن ذلك اشتقاق دابر بمعنى ما يقع خلف الشيء ويليه من ورائه ، ويقال: أمس الدابر أي الواقع خلف اليوم كما يقال: عام قابل ، ويطلق الدابر بهذا المعنى على أثر الشيء كدابر الإنسان على أخلافه وسائر آثاره ، فقوله:"فقطع دابر القوم الذين ظلموا"أي إن الهلاك استوعبهم فلم يبق منهم عينا ولا أثرا أو أبادهم جميعا فلم يخلص منهم أحد كما قال تعالى:"فهل ترى لهم من باقية": الحاقة: 8.