و وضع الظاهر موضع المضمر في قوله:"دابر القوم الذين ظلموا"دون أن يقال: دابرهم للدلالة على سبب الحكم وهو الظلم الذي أفنى جمعهم وقطع دابرهم ، وهو مع ذلك يمهد السبيل إلى إيراد قوله:"و الحمد لله رب العالمين".
ومن هذه الآية بما تشتمل على وصفهم بالظلم وعلى حمده تعالى بربوبيته تتحصل الدلالة على أن اللوم والسوء في جميع ما حل بهم من عذاب الاستئصال يرجع إليهم لأنهم القوم الذين ظلموا ، وأنه لا يعود إليه تعالى إلا الثناء الجميل لأنه لم يأت في تدبير أمرهم إلا بما تقتضيه الحكمة البالغة ، ولم يسقهم في سبيل ما انتهوا إليه إلا إلى ما ارتضوه بسوء اختيارهم فقد تحقق أن الخزي والسوء على الكافرين ، وأن الحمد لله رب العالمين.
قوله تعالى:"قل أ رأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم"إلى آخر الآية ، أخذ السمع والأبصار هو سلب قوتي السمع والإبصار وهو الإصمام والإعماء والختم على القلوب إغلاق بابها إغلاقا لا يدخلها معه شيء من خارج حتى تتفكر في أمرها ، وتميز الواجب من الأعمال من غير: والخير النافع منها من الشر الضار مع حفظ أصل الخاصية وهو صلاحية التعقل وإلا كان جنونا وخبلا.
وإذ كان هؤلاء المشركون لا يسمعون حق القول في الله سبحانه ولا يبصرون آياته الدالة على أنه واحد لا شريك له فصارت قلوبهم لا يدخلها شيء من واردات السمع والبصر حتى تعرف بذلك الحق من الباطل أقام الحجة بذلك على إبطال مذهبهم في أمر الإله تعالى ووحدته.
وملخصها أن القول بثبوت شركاء لله يستلزم القول ببطلانه وذلك أن القول بالشركاء لإثبات الشفاعة ، وهي أن تشفع وتتوسط في جلب المنافع ودفع المضار ، وإذ كانت الشركاء شفعاء على الفرض كان لله سبحانه أن يفعل في ملكه ما يشاء من غير مصادفة مانع يمانعه أو ضد يضاده فلو سلب الله عنكم سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم فعل ذلك ولم يعارضه أحد من شركائكم لأنها شفعاء متوسطة لا أضداد معارضة ، ولو فعل ذلك وسلب ما سلب لم يقدر أحد منها أن يأتيكم به لأنها شفعاء وسائط لا مصادر للخلق والإيجاد.
وإذا لم يقدر على إيتاء نفع أو إذهاب ضر فما معنى ألوهيتها فليس الإله إلا من يوجد ويعدم ويتصرف في الكون كيف شاء ، وإنما اضطرت الفطرة الإنسانية إلى الإقرار بأن للعالم إلها من جهة الحصول على مبدإ حوادث الخير والشر التي تشاهدها في الوجود ، وإذ كان شيء لا يضر ولا ينفع في جنب الحوادث شيئا فليس تسميته إلها إلا لغوا من القول.
وليس لإنسان صحيح العقل والتمييز أن يجوز كون صورة حجرية أو خشبية أو فلزية عملته يد الإنسان وصنعته فكرته خالقا للعالم أو متصرفا فيه بالإيجاد والإعدام وكذا كون رب الصنم ربا معبودا أبدع العالم على غير مثال سابق مع الاعتراف بكونه عبدا مربوبا.
والحجة تعود بتقرير آخر إلى أن معنى الألوهية يأبى عن الصدق على الشريك بمعنى الشفيع المتوسط فإن مبدئية الصنع والإيجاد لازم معناها الاستقلال في التصرف والتعين في استحقاق خضوع المصنوع المربوب ، والواسطة المفروضة إن كان لها استقلال في العمل كانت أصلا ومبدأ لا واسطة وشفيعا وإن لم يكن له حظ من الاستقلال كانت أداة آلة لها مبدأ وإلها.
ولذا كانت الأسباب الكونية أيا ما فرضت ليس لها إلا معنى الإله والأداة كسببية الأكل للشبع والشرب للري والوالدين للولد والقلم للكتابة والمشي لانطواء المسافة وهكذا.
وقوله:"انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون"تصريف الآيات تحويلها إلى نحو أفهامهم ، والصدوف الإعراض ، يقال: صدف يصدف صدوفا إذا مال عن الشيء.
قوله تعالى:"قل أ رأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة"إلى آخر الآية ، الجهرة الظهور التام الذي لا يقبل الارتياب ولذا قابلت البغتة التي هي إتيان الشيء فجأة لا يظهر على من أتاه إلا بعد إتيانه وغشيانه فلا يترك له مجال التحذر.
وهذه حجة بين فيها على وجه العموم أن الظالمين على خطر من عذاب الله عذابا لا يتخطاهم ، ولا يغلط في إصابتهم بإصابة من سواهم ، ثم بين أنهم هم الظالمون لفسقهم عن الدعوة الإلهية وتكذيبهم بآيات الله تعالى.