فهرس الكتاب

الصفحة 1380 من 4314

و ذلك أن معنى العذاب ليس إلا إصابة المجرم بما يسوؤه ويدمره من جزاء إجرامه ولا إجرام إلا مع ظلم فلو أتاهم من قبل الله سبحانه عذاب لم يهلك به إلا الظالمون ، فهذا ما يدل عليه الآية ثم بين الآيتين التاليتين أنهم هم الظالمون.

قوله تعالى:"و ما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين"إلى آخر الآيتين يبين بالآيتين أنهم هم الظالمون ، ولا يهلك بعذاب الله إن أتاهم إلا لظلمهم.

ولذا غير سياق الكلام فوجه وجه البيان إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليكون هو المخبر عن شأن عذابه فيكون أقطع للعذر وجيء بلفظ المتكلم ليدل به على صدوره من ساحة العظمة والكبرياء.

فكان ملخص المضمون أمره تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقيم عليهم الحجة أن لو أتاهم عذاب الله لم يهلك إلا الظالمين منهم ثم يقول تعالى لرسوله: إنا نحن الملقين إليك الحجة الآتين بالعذاب نخبرك أن إرسالنا الرسل إنما هو للتبشير والإنذار فمن آمن وأصلح فلا عليه ، ومن كذب بآياتنا فهو الذي يمسه عذابنا لفسقه وخروجه عن طور العبودية فلينظروا في أمر أنفسهم من أي الفريقين هم؟.

وقد تقدم في المباحث السابقة استيفاء البحث عن معنى الإيمان والإصلاح والفسق ومعنى نفي الخوف والحزن عن المؤمنين.

قوله تعالى:"قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك"لعل المراد بخزائن الله ما ذكره بقوله تعالى:"قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق": الإسراء: 100 وخزائن الرحمة هذه هي ما يكشف عن أثره ، قوله تعالى:"ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك له"الآية ،: فاطر: 2 وهي فائضة الوجود التي تفيض من عنده تعالى على الأشياء من وجودها ، وآثار وجودها وقد بين قوله تعالى:"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون": يس: 82 أن مصدر هذا الأثر الفائض هو قوله ، وهو كلمة"كن"الصادرة عن مقام العظمة والكبرياء ، وهذا هو الذي يخبر عنه بلفظ آخر في قوله:"و إن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر: 21.

فالمراد بخزائن الله هو المقام الذي يعطي بالصدور عنه ما أريد من شيء من غير أن ينفد بإعطاء وجود أو يعجزه بذل وسماحة ، وهذا مما يختص بالله سبحانه ، وأما غيره كائنا ما كان ومن كان فهو محدود وما عنده مقدر إذا بذل منه شيئا نقص بمقدار ما بذل ، وما هذا شأنه لم يقدر على إغناء أي فقير ، وإرضاء أي طالب ، وإجابة أي سؤال.

وأما قوله:"و لا أعلم الغيب"فإنما أريد بالعلم الاستقلال به من غير تعليم بوحي وذلك أنه تعالى يثبت الوحي في ذيل الآية بقوله:"إن أتبع إلا ما يوحى إلي"، وقد بين في مواضع من كلامه أن بعض ما يوحيه لرسله من الغيب ، كقوله تعالى:"عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول": الجن: 26 ، وكقوله بعد سرد قصة يوسف:"ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون": يوسف: 102 ، وقوله في قصة مريم:"ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون": آل عمران: 44 ، وقوله بعد قصة نوح:"تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا": هود: 49.

فالمراد بنفي علم الغيب نفي أن يكون مجهزا في وجوده بحسب الطبع بما لا يخفى عليه معه ما لا سبيل للإنسان بحسب العادة إلى العلم به من خفيات الأمور كائنة ما كانت.

وأما قوله:"و لا أقول لكم إني ملك"فهو كناية عن نفي آثار الملكية من أنهم منزهون عن حوائج الحياة المادية من أكل وشرب ونكاح وما يلحق بذلك ، وقد عبر عنه في مواضع أخرى بقوله:"قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي": الكهف: 110 ، وإنما عبر عن ذلك هاهنا بنفي الملكية دون إثبات البشرية ليحاذي به ما كانوا يقترحونه عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) بمثل قولهم:"ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق": الفرقان: 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت