فهرس الكتاب

الصفحة 1381 من 4314

و من هنا يظهر أن الآية بما في سياقها من النفي بعد النفي - كأنها - ناظرة إلى الجواب عما كانوا يقترحونه على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من سؤال الآيات المعجزة والاعتراض بما كان يأتي به من أعمال كأعمال المتعارف من الناس كما حكاه عنهم في قوله:"و قالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لو لا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ، أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها": الفرقان: 8 ، وقوله:"و قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا ، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا ، أو يكون لك بيت من زخرف - إلى أن قال - قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا": الإسراء: 93 ، وقوله:"فسينغضون إليك رءوسهم ويقولون متى هو": الإسراء: 51 ، وكقوله:"يسألونك عن الساعة أيان مرساها": الأعراف: 187. فمعنى قوله:"قل لا أقول لكم"إلخ ، قل: لم أدع فيما أدعوكم إليه وأبلغكموه أمرا وراء ما أنا عليه من متعارف حال الإنسان حتى تبكتوني بإلزامي بما تقترحونه مني فلم أدع أني أملك خزائن الألوهية حتى تقترحوا أن أفجر أنهارا أو أخلق جنة أو بيتا من زخرف ، ولا ادعيت أني أعلم الغيب حتى أجيبكم عن كل ما هو مستور تحت أستار الغيوب كقيام الساعة ولا ادعيت أني ملك حتى تعيبوني وتبطلوا قولي بأكل الطعام والمشي في الأسواق للكسب.

قوله تعالى:"إن أتبع إلا ما يوحى إلي"بيان لما يدعيه حقيقة بعد رد ما اتهموه به من الدعوى من جهة دعواه الرسالة من الله إليهم أي ليس معنى قولي: إني رسول الله إليكم أن عندي خزائن الله ولا أني أعلم الغيب ولا أني ملك بل إن الله يوحي إلي بما يوحي.

ولم يثبته في صورة الدعوى بل قال:"إن أتبع"إلخ ، ليدل على كونه مأمورا بتبليغ ما يوحى إليه ليس له إلا اتباع ذلك فكأنه لما قال: لا أقول لكم كذا ولا كذا ولا كذا قيل له: فإذا كان كذلك وكنت بشرا مثلنا وعاجزا كأحدنا لم تكن لك مزية علينا فما ذا تريد منا؟ فقال: إن أتبع إلا ما يوحى إلي أن أبشركم وأنذركم فأدعوكم إلى دين التوحيد.

والدليل على هذا المعنى قوله بعد ذلك:"قل لا يستوي الأعمى والبصير أ فلا تتفكرون"فإن مدلوله بحسب ما يعطيه السياق: أني وإن ساويتكم في البشرية والعجز لكن ذلك لا يمنعني عن دعوتكم إلى اتباعي فإن ربي جعلني على بصيرة بما أوحى إلي دونكم فأنا وأنتم كالبصير والأعمى ولا يستويان في الحكم وإن كانا متساويين في الإنسانية فإن التفكر في أمرهما يهدي الإنسان إلى القضاء بأن البصير يجب أن يتبعه الأعمى ، والعالم يجب أن يتبعه الجاهل.

قوله تعالى:"و أنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم"إلى آخر الآية الضمير في"به"راجع إلى القرآن وقد دل عليه قوله في الآية السابقة:"إن أتبع إلا ما يوحى إلي"وقوله:"ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع"حال والعامل فيه يخافون أو يحشرون.

والمراد بالخوف معناه المعروف دون العلم وما في معناه إذ لا دليل عليه بحسب ظاهر المعنى المتبادر من السياق ، والأمر بإنذار خصوص الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم لا ينافي عموم الإنذار لهم ولغيرهم كما يدل عليه قوله في الآيات السابقة:"و أوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ": آية: 19 بل لما كان خوف الحشر إلى الله معينا لنفوسهم على القبول ومقربا للدعوة إلى أفهامهم أفاد تخصيص الأمر بالإنذار بهم ووصفهم هذا الوصف تأكيدا لدعوتهم وتحريضا له أن لا يسامح في أمرهم ولا يضعهم موضع غيرهم بل يخصهم بمزيد عناية بدعوتهم لأن موقفهم أقرب من الحق وإيمانهم أرجى فالآية بضميمة سائر آيات الأمر بالإنذار العام تفيد من المعنى: أن أنذر الناس عامة ولا سيما الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم.

وقوله:"ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع"نفي مطلق لولاية غير الله وشفاعته فيقيده الآيات الأخر المقيدة كقوله:"من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه": البقرة: 255 وقوله:"و لا يشفعون إلا لمن ارتضى": الأنبياء: 28 وقوله:"و لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون": الزخرف: 86.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت