و إنما لم يستثن في الآية لأن الكلام يواجه به الوثنيون الذين كانوا يقولون بولاية الأوثان وشفاعتها ، ولم يكونوا يقولون بذلك بالإذن والجعل فإن الولاية والشفاعة عن إذن يحتاج القول به إلى العلم به ، والعلم إلى الوحي والنبوة ، وهم لم يكونوا قائلين بالنبوة ، وأما الذي أثبتوه من الولاية والشفاعة فكأنه أمر متهيء لأوليائهم وشركائهم بالضرورة من طبعها لا بإذن من الله كأن أقوياء الوجود من الخليقة لها نوع من التصرف في ضعفائه بالطبع وإن لم يأذن به الله سبحانه ، وإن شئت قلت: لازمه أن يكون إيجادها إذنا اضطراريا في التصرف في ما دونها.
وبالجملة قيل:"ما لهم من دونه ولي ولا شفيع"ولم يقل: إلا بإذنه لأن المشركين إنما قالوا إن الأوثان أولياء وشفعاء من غير تقييد فنفي ما ذكروه من الولي والشفيع من دون الله محاذاة بالنفي لإثباتهم ، وأما الاستثناء فهو وإن كان صحيحا كما وقع في مواضع من كلامه تعالى لكن لا يتعلق به غرض هاهنا.
وقد تبين مما تقدم أن الآية على إطلاق ظاهرها تأمر بإنذار كل من لا يخلو من استشعار خوف من الحشر في قلبه إذا ذكر بآيات الله سواء كان ممن يؤمن بالحشر كالمؤمنين من أهل الكتاب أو ممن لا يؤمن به كالوثنيين وغيرهم لكنه يحتمله فيغشى الخوف نفسه بالاحتمال أو المظنة فإن الخوف من شيء يتحقق بمجرد احتمال وجوده وإن لم يوقن بتحققه.
وقد اختلفت أنظار المفسرين في الآية فمن قائل: إن الآية نزلت في المؤمنين القائلين بالحشر ، وأنهم هم الذين عنوا في الآية التالية بقوله:"و لا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي".
ومن قائل: إنها نزلت في طائفة من المشركين الوثنيين يجوزون الحشر بعد الموت وإن لم يثبت وجود القائل بهذا القول بين مشركي مكة أو العرب يوم نزول السورة مع كون خطابات السورة متوجهة إلى المشركين من قريش أو العرب بحسب السياق ، .
ومن قائل: إن المراد بهم كل معترف بالحشر من مسلم أو كتابي ، وإنما خص هؤلاء المعترفون بالأمر بالإنذار مع أن وجوب الإنذار عام لجميع الخلق لأن الحجة أوجب عليهم لاعترافهم بالمعاد.
لكن الآية لم تأخذ في وصفهم إلا الخوف من الحشر ، ولا يتوقف الخوف من الشيء على العلم بتحققه ولا الاعتراف بوجوده بل الشك - وهو الاحتمال المتساوي طرفاه - والمظنة وهي الإدراك الراجح على ما له من المراتب يجامع الخوف كالعلم وهو ظاهر.
فالآية إنما تحرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على إنذار كل من شاهد في سيماه علائم الخوف من أي طائفة كان لأن بناء الدعوة الدينية على أساس الحشر وإقامة المحاسبة على السيئة والحسنة والمجازاة عليهما ، وأدنى ما يرجى من تأثير الدعوة الدينية في واحد أن يجوزه فيخافه ، وكلما ازداد احتمال وقوعه ازداد الخوف وقوي التأثير حتى يتلبس باليقين وينتفي احتمال الخلاف بالكلية ، فهناك التأثير التام.
قوله تعالى:"و لا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه"إلى آخر الآية ظاهر السياق على ما يؤيده ما في الآية التالية:"و كذلك فتنا بعضهم ببعض"إلخ ، أن المشركين من قومه (صلى الله عليه وآله وسلم) اقترحوا عليه أن يطرد عن نفسه الضعفاء المؤمنين به فنهاه الله تعالى في هذه الآية عن ذلك.
وذلك منهم نظير ما اقترحه المستكبرون من سائر الأمم من رسلهم أن يطردوا عن أنفسهم الضعفاء والفقراء من المؤمنين استكبارا وتعززا ، وقد حكى الله تعالى ذلك عن قوم نوح فيما حكاه من محاجته (عليه السلام) حجاجا يشبه ما في هذه الآيات من الحجاج قال تعالى:"فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين. قال يا قوم أ رأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أ نلزمكموها وأنتم لها كارهون - إلى أن قال - وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم - إلى أن قال - ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين": هود - 31.