فهرس الكتاب

الصفحة 1396 من 4314

و ليس معنى هذا البحث نفي الحسن والمصلحة مثلا عن أفعاله تعالى بمعنى إثبات ما يقابله حتى يستتبع ذلك إثبات القبح والمفسدة أو سقوط أفعاله عن الاعتبار العقلائي كأفعال الصبيان تعالى عن ذلك كما أن نفي البصر بمعنى الجارحة عن العقل لا يوجب إثبات العمى له أو سقوطه عن مرتبة الإدراك بل تنزيه عن النقص.

وثانيهما: أن جهات الحسن ومزايا المصالح وإن كانت تعلل بها أفعاله تعالى وشرائع أحكامه وتبين بها وظائف العبودية كما تعلل بها ما عندنا من الأحكام والأعمال العقلائية إلا أن بين البابين فرقا وهو أنها في جانبنا حاكمة على الإرادة مؤثرة في الاختيار فنحن بما أنا عقلاء إذا وجدنا فعلا ذا صفة حسن مقارنا لمصلحة غير مزاحمة بعثنا ذلك إلى اقتراف العمل وإذا وجدنا حكما على هذا النعت لم نتردد في تقنينه وحكمنا به وأجريناه في مجتمعنا مثلا.

وليست هذه الوجوه والعلل أعني جهات الحسن والمصلحة إلا معاني أخذناها من سنة التكوين والوجود الخارجي الذي هو منفصل من أذهاننا مستقل دوننا فأردنا في اختيار الأعمال الحسنة ذوات المصلحة أن لا نخبط في مسيرنا وتنطبق أعمالنا على سنة التكوين وتقع في صراط الحقيقة ، فهذه الجهات والمصالح معان منتزعة من خارج الأعيان متفرعة عليه ، وأعمالنا متفرعة على هذه الجهات محكومة لها متأثرة عنها ، والكلام في أحكامنا المجعولة لنا نظير الكلام في أعمالنا.

وأما فعله تعالى فهو نفس الكون الخارجي والوجود العيني الذي كنا ننتزع منه وجوه الحسن والمصلحة وكانت تتفرع عليه بما أنها انتزعت منه فكيف يمكن أن يعد فعله تعالى متفرعا عليها محكوما لها متأثرا عنها ، وكذلك أحكامه تعالى المشرعة تستتبع الواقع لا أنها تتبع الواقع فافهم ذلك.

فقد تبين: أن جهات الحسن والمصلحة وما يناظرها في عين أنها موجودة في أفعاله تعالى وأحكامه ، وفي أفعالنا وأحكامنا بما نحن عقلاء تختلف في أنها بالنسبة إلى أعمالنا وأحكامنا حاكمة مؤثرة ، وإن شئت قلت دواع وعلل غائية ، وبالنسبة إلى أفعاله وأحكامه تعالى لازمة غير منفكة وإن شئت قلت: فوائد مطردة ، فنحن بما أنا عقلاء نفعل ما نفعل ونحكم ما نحكم لأنا نريد به تحصيل الخير والسعادة وتملك ما لا نملكه بعد ، وهو تعالى يفعل ما يفعل ويحكم ما يحكم لأنه الله ، ويترتب على فعله ما يترتب على فعلنا من الحسن والمصلحة ، وأفعالنا مسئول عنها معللة بغاياتها ومصالحها ، وأفعاله غير مسئول عنها ولا معللة بغاية لا يملكها بل مكشوفة بلوازمها ونعوتها اللازمة ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون فافهم ذلك.

وهذا هو الذي يهدي إليه كلامه عز اسمه كقوله تعالى:"لا يسأل عما يفعل وهم يسألون": الأنبياء: 23 وقوله:"له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم": القصص: 70 وقوله:"و يفعل الله ما يشاء": إبراهيم: 27 وقوله:"و الله يحكم لا معقب لحكمه": الرعد: 41.

ولو كان فعله تعالى كأفعالنا العقلائية لكان لحكمه معقب إلا أن يعتضد بمصلحة محسنة ولم يكن له ليفعل ما يشاء بل ما تشير إليه المصلحة المقارنة ، وقوله:"قل إن الله لا يأمر بالفحشاء": الأعراف: 28 وقوله:"يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم": الأنفال: 24 وغير ذلك من الآيات التي تعلل الأحكام بوجوه الحسن والمصلحة.

قوله تعالى:"قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم"إلى آخر الآية ، أي لو قدرت على ما تقترحونه علي من الآية والحال أنها بحيث إذا نزلت على رسول لم تنفك عن الحكم الفصل بينه وبين أمته لقضي الأمر بيني وبينكم ، ونجي بذلك أحد المتخاصمين المختلفين وعذب الآخر وأهلك ، ولم يعذب بذلك ولا يهلك إلا أنتم لأنكم ظالمون ، والعذاب الإلهي إنما يأخذ الظالمين بظلمهم ، وهو سبحانه أنزه ساحة من أن يشتبه عليه الأمر ولا يميز الظالمين من غيرهم فيعذبني دونكم.

ففي قوله تعالى:"و الله أعلم بالظالمين"نوع تكنية وتعليل أي إنكم أنتم المعذبون لأنكم ظالمون والعذاب الإلهي لا يعدو الظالمين إلى غيرهم ، وفي الجملة إشارة إلى ما تقدم من قوله تعالى:"قل أ رأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون:"آية: 47.

قوله تعالى:"و عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو"إلى آخر الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت