فهرس الكتاب

الصفحة 1397 من 4314

ذكروا في وجه اتصال الآية بما قبلها أن الآية السابقة لما ختمت بقوله:"و الله أعلم بالظالمين"زاد الله سبحانه في بيانه فذكر أن خزائن الغيب أو مفاتيح تلك الخزائن عنده سبحانه لا يعلمها إلا هو ، ويعلم كل دقيق وجليل.

وهذا الوجه لا يتضح به معنى الحصر الذي يدل عليه قوله:"لا يعلمها إلا هو"فالأولى أن يوجه الاتصال بما يشتمل عليه مجموع الآيتين السابقتين أعني قوله:"قل إني على بينة من ربي - إلى قوله - والله أعلم بالظالمين"حيث يدل المجموع على أن ما كانوا يقترحونه من الآية وما يستتبعه من الحكم الفصل والقضاء بينه وبينهم إنما هو عند الله لا سبيل إليه لغيره فهو العالم بذلك الحاكم به ، ولا يغلط في حكمه الفصل وتعذيب الظالمين لأنه أعلم بهم فهو عالم بالغيب لا يشاركه فيه غيره ، وعالم بكل ما جل ودق لا يضل ولا ينسى ، ثم زاد ذلك بيانا بقوله:"و عنده مفاتح الغيب"الآية فبين به اختصاصه تعالى بعلم الغيب وشمول علمه كل شيء ، ثم تمم البيان بالآيات الثلاث التي تتلوها.

وبذلك تصير الآيات جارية مجرى ما سيقت إليه نظائرها في مثل المورد كقوله تعالى في قصة هود وقومه:"قالوا أ جئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين. قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به:"الأحقاف: 23.

ثم نقول: المفاتح جمع مفتح بفتح الميم وهو الخزينة ، وربما احتمل أن يكون جمع مفتح بكسر الميم وهو المفتاح ، ويؤيده ما قرىء شاذا:"و عنده مفاتيح الغيب"ومآل المعنيين واحد فإن من عنده مفاتيح الخزائن هو عالم بما فيها قادر على التصرف فيها كيف شاء عادة كمن عنده نفس الخزائن إلا أن سائر كلامه تعالى فيما يشابه هذا المورد يؤيد المعنى الأول فإنه تعالى كرر في كلامه ذكر خزائنه وخزائن رحمته - وذلك في سبعة مواضع - ولم يذكر لها مفاتيح في شيء من كلامه قال تعالى:"أم عندهم خزائن ربك": الطور: 37 وقال:"لا أقول لكم عندي خزائن الله": الأنعام: 50 وقال:"و إن من شيء إلا عندنا خزائنه": الحجر: 21 وقال:"و لله خزائن السماوات والأرض": المنافقون: 7 وقال:"أم عندهم خزائن رحمة ربك": ص: 9 فالأقرب أن يكون المراد بمفاتح الغيب خزائنه.

وكيف كان فقوله:"و عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو"مسوق لبيان انحصار العلم بالغيب فيه تعالى إما لأن خزائن الغيب لا يعلمها إلا الله ، وإما لأن مفاتيح الغيب لا يعلمها غيره تعالى فلا سبيل لغيره إلى تلك الخزائن إذ لا علم له بمفاتيحها التي يتوصل بها إلى فتحها والتصرف فيها.

وصدر الآية وإن أنبأ عن انحصار علم الغيب فيه تعالى لكن ذيلها لا يختص بعلم الغيب بل ينبىء عن شمول علمه تعالى بكل شيء أعم من أن يكون غيبا أو شهادة فإن كل رطب ويابس لا يختص بما يكون غيبا وهو ظاهر فالآية بمجموعها يبين شمول علمه تعالى لكل غيب وشهادة ، غير أن صدرها يختص ببيان علمه بالغيوب ، وذيلها ينبىء عن علمه بكل شيء أعم من الغيب والشهادة.

ومن جهة أخرى صدر الآية يتعرض للغيوب التي هي واقعة في خزائن الغيب تحت أستار الخفاء وأقفال الإبهام ، وقد ذكر الله سبحانه في قوله:"و إن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم:"الحجر: 21 أن التي في خزائن الغيب عنده من الأشياء أمور لا يحيط بها الحدود المشهودة في الأشياء ، ولا يحصرها الأقدار المعهودة ، ولا شك أنها إنما صارت غيوبا مخزونة لما فيها من صفة الخروج عن حكم الحد والقدر فإنا لا نحيط علما إلا بما هو محدود ومقدر ، وأما التي في خزائن الغيب من الأشياء فهي قبل النزول في منزل الشهود والهبوط إلى مهبط الحد والقدر ، وبالجملة قبل أن يوجد بوجوده المقدر له غير محدودة مقدرة مع كونها ثابتة نوعا من الثبوت عنده تعالى على ما تنطق به الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت