فهرس الكتاب

الصفحة 1400 من 4314

و عند ذلك يتضح اتصال الآية أعني قوله:"و عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو"إلى آخر الآية بما قبلها من الآيات فإن محصل الآيتين السابقتين أن الذي تقترحونه علي من الآيات القاضية بيني وبينكم ليس في مقدرتي ، ولا الحكم الحق راجع إلي بل هو عند ربي في علمه وقدرته ولو كان ذلك إلي لقضي بيني وبينكم وأخذكم العذاب الذي لا يأخذ إلا الظالمين لأن الله يعلم أنكم أنتم الظالمون وهو العالم الذي لا يجهل شيئا أما أنه لا سبيل إلى الوقوف والتسلط على ما يريده ويقضيه من آية قاضية فلأن مفاتح الغيب عنده لا يعلمها إلا هو ، وأما أنه أعلم بالظالمين ولا يخطئهم إلى غيرهم فلأنه يعلم ما في البر والبحر ويعلم كل دقيق وجليل ، والكل في كتاب مبين.

فقوله تعالى:"و عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو"راجع إلى الغيب المطلق الذي لا سبيل لغيره تعالى إليه ، وقوله:"لا يعلمها""إلخ"حال وهو يدل على أن مفاتح الغيب من قبيل العلم غير أن هذا العلم من غير سنخ العلم الذي نتعارفه فإن الذي يتبادر إلى أذهاننا من معنى العلم هو الصورة المأخوذة من الأشياء بعد وجودها وتقدرها بأقدارها ومفاتح الغيب - كما تبين - علم بالأشياء وهي غير موجودة ولا مقدرة بأقدارها الكونية أي علم غير متناه من غير انفعال من معلوم.

وقوله:"و يعلم ما في البر والبحر"تعميم لعلمه بما يمكن أن يتعلق به علم غيره مما ربما يحضر بعضه عند بعض وربما يغيب بعضه عن بعض ، وإنما قدم ما في البر لأنه أعرف عند المخاطبين من الناس.

وقوله:"و ما تسقط من ورقة إلا يعلمها"اختص بالذكر لأنه مما يستصعب الإنسان حصول العلم به لأن الكثرة البالغة التي في أوراق الأشجار تعجز الإنسان أن يميز معها بعضها من بعض فيراقب كلا منها فيما يطرأ عليه من الأحوال ، ويتنبه على انتقاصها بالساقط منها إذا سقط.

وقوله:"و لا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس"إلخ ، معطوفات على قوله:"من ورقة"على ظاهر السياق ، والمراد بظلمات الأرض بطونها المظلمة التي تستقر فيها الحبات فينمو منها ما ينمو ويفسد ما يفسد فالمعنى: ولا تسقط من حبة في بطون الأرض المظلمة ولا يسقط من رطب ولا من يابس أيا ما كانا إلا يعلمها ، وعلى هذا فقوله:"إلا في كتاب مبين"بدل من قوله:"إلا يعلمها"سد مسده ، وتقديره إلا هو واقع مكتوب في كتاب مبين.

وتوصيف الكتاب بالمبين إن كان بمعنى المظهر إنما هو لكونه يظهر لقارئه كل شيء على حقيقة ما هو عليه من غير أن يطرأ عليه إبهام التغير والتبدل وسترة الخفاء في شيء من نعوته ، وإن كان المبين بمعنى الظاهر فهو ذلك أيضا لأن الكتاب في الحقيقة هو المكتوب ، والمكتوب هو المحكي عنه ، وإذا كان ظاهرا لا سترة عليه ولا خفاء فيه فالكتاب كذلك.

قوله تعالى:"و هو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار"التوفي أخذ الشيء بتمامه ، ويستعمله الله سبحانه في كلامه بمعنى أخذ الروح الحية كما في حال الموت كما في قوله في الآية التالية:"حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا".

قد عد الإنامة توفيا كما عد الإماتة توفيا على حد قوله:"الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها": الزمر: 42 لاشتراكهما في انقطاع تصرف النفس في البدن كما أن البعث بمعنى الإيقاظ بعد النوم يشارك البعث بمعنى الإحياء بعد الموت في عود النفس إلى تصرفها في البدن بعد الانقطاع ، وفي تقييد التوفي بالليل كالبعث بالنهار جري على الغالب من أن الناس ينامون بالليل ويستيقظون بالنهار.

وفي قوله تعالى"يتوفاكم"دلالة على أن الروح تمام حقيقة الإنسان الذي يعبر عنه بأنا لا كما ربما يتخيل لنا أن الروح أحد جزئي الإنسان لا تمامه أو أنها هيئة أو صفة عارضة له ، وأوضح منه دلالة قوله تعالى:"و قالوا أ ءذا ضللنا في الأرض أ ئنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون ، قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون": السجدة: 11 فإن استبعاد الكفار مبني على أن حقيقة الإنسان هو البدن الذي يتلاشى ويفسد بانحلال التركيب بالموت فيضل في الأرض ، والجواب مبني على كون حقيقته هو الروح النفس وإذ كان ملك الموت يتوفاه ويقبضه فلا يفوت منه شيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت