فهرس الكتاب

الصفحة 1401 من 4314

و قوله:"و يعلم ما جرحتم بالنهار"الجرح هو الفعل بالجارحة والمراد به الكسب أي يعلم ما كسبتم بالنهار ، والأنسب أن يكون الواو حالية والجملة حالا من فاعل يتوفاكم ، ويتصل حينئذ قوله:"ثم يبعثكم فيه"بقوله:"و هو الذي يتوفاكم"إلخ ، من غير تخلل معنى أجنبي فإن الآيتين في مقام شرح وقوع التدبير الإلهي بالإنسان في حياته الدنيا وعند الموت وبعده حتى يرد إلى ربه ، والأصل العمدة من جمل الآيتين المسرودة لبيان هذا المعنى قوله تعالى:"و هو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه - أي في النهار - ليقضى أجل مسمى ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون. ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق"فهذا هو الأصل في المقصود ، وما وراء ذلك مقصود بالتبع ، والمعنى وهو الذي يتوفاكم بالليل والحال أنه يعلم ما كسبتم في النهار ، ثم يبعثكم في النهار إلخ.

قوله تعالى:"ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى"إلخ.

سمي الإيقاظ والتنبيه بعثا محاذاة لتسمية الإنامة توفيا وجعل الغرض من البعث قضاء الأجل المسمى وهو الوقت المعلوم عند الله الذي لا يتخطاه حياة الإنسان الدنيوية كما قال:"فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون": الأعراف: 34.

وإنما جعل قضاء الأجل المسمى غاية لأنه تعالى أسرع الحاسبين ، ولو لا تحقق قضاء سابق لأخذهم بسيئات أعمالهم ووبال آثامهم ، كما قال:"و ما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولو لا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم": الشورى: 14 والقضاء السابق هو الذي يشتمل عليه قوله تعالى في قصة هبوط آدم (عليه السلام) :"و لكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين": الأعراف: 24.

فالمعنى أن الله يتوفاكم بالليل والحال أنه يعلم ما كسبتم في النهار من السيئات وغيرها لكن لا يمسك أرواحكم ليديم عليها الموت بل يبعثكم في النهار بعد التوفي لتقضى آجالكم المسماة ثم إليه مرجعكم بنزول الموت والحشر فينبئكم بما كنتم تعملون.

قوله تعالى:"و هو القاهر فوق عباده"قد تقدم الكلام فيه في تفسير الآية 17 من السورة.

قوله تعالى:"و يرسل عليكم حفظة"إلخ ، إطلاق إرسال الحفظة من غير تقييد لا في الإرسال ولا في الحفظة ثم جعله مغيا بمجيء الموت لا يخلو عن دلالة على أن هؤلاء الحفظة المرسلين شأنهم حفظ الإنسان من كل بلية تتوجه إليه ومصيبة تتوخاه ، وآفة تقصده فإن النشأة التي نحن فيها نشأة التفاعل والتزاحم ، ما فيه من شيء إلا وهو مبتلى بمزاحمة غيره من شيء من جميع الجهات لأن كلا من أجزاء هذا العالم الطبيعي بصدد الاستكمال واستزادة سهمه من الوجود ، ولا يزيد في شيء إلا وينقص بنسبته من غيره فالأشياء دائما في حال التنازع والتغلب ، ومن أجزائه الإنسان الذي تركيب وجوده ألطف التراكيب الموجودة فيه وأدقها فيما نعلم فرقباؤه في الوجود أكثر وأعداؤه في الحياة أخطر فأرسل الله إليه من الملائكة حفظة تحفظه من طوارق الحدثان وعوادي البلايا والمصائب ولا يزالون يحفظونه من الهلاك حتى إذا جاء أجله خلوا بينه وبين البلية فأهلكته على ما في الروايات.

وأما ما ذكره في قوله:"إن عليكم لحافظين. كراما كاتبين. يعلمون ما تفعلون": الانفطار: 12 فإنما يريد به الحفظة على الأعمال غير أن بعضهم أخذ الآيات مفسرة لهذه الآية ، والآية وإن لم تأب هذا المعنى كل الإباء لكن قوله:"حتى إذا جاء أحدكم الموت"إلى آخر الآية ، كما تقدم يؤيد المعنى الأول.

وقوله:"توفته رسلنا وهم لا يفرطون"الظاهر أن المراد من التفريط هو التساهل والتسامح في إنفاذ الأمر الإلهي بالتوفي فإن الله سبحانه وصف ملائكته بأنهم يفعلون ما يؤمرون ، وذكر أن كل أمة رهن أجلهم فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون فالملائكة المتصدون لأمر التوفي لا يقصرون عن الحد الواجب المحدود المكشوف لهم من موت فلان في الساعة الفلانية على الشرائط الكذائية فهم لا يسامحون في توفي من أمروا بتوفيه ولا مقدار ذرة فهم لا يفرطون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت