فالواقف في موقف النصفة من التدبر في هذه الآيات لا يشك أن كلامه المحكي عنه مع قومه أشبه شيء بكلام إنسان أولي فرضي عاش في سرب من أسراب الأرض أو كهف من كهوف الجبال لم يعاشر إلا بعض من يقوم بواجب غذائه ولباسه لم يشاهد سماء بزواهر نجومها وكواكبها ، والبازغ من قمرها وشمسها ، ولم يمكث في مجتمع إنساني بأفراده الجمة وبلاده الوسيعة ، واختلاف أفكاره ، وتشتت مقاصده ومآربه ، وأنواع أديانه ومذاهبه ، ثم ساقه الاتفاق أن دخل في واحد من المجتمعات العظيمة ، وشاهد أمورا عجيبة لا عهد له بها من أجرام سماوية ، وأقطار أرضية ، وجماعات من الناس عاكفين على مشاغلهم كادحين نحو مآربهم ومقاصدهم ، لا يصرفهم عن ذلك صارف بين متحرك وساكن ، وعامل ومعمول له ، وخادم ومخدوم ، وآمر ومأمور ، ورئيس ، ومرءوس منكب على الكسب والعمل ، ومتزهد متعبد يعبد الإله.
فبهته عجيب ما يراه واستغرقه غريب ما يشاهده فصار يسأل من أنس به عن شأن الواحد بعد الواحد مما اجتذبت إليه نفسه ، ووقع عليه بصره ، وكثر منه إعجابه نظير ما نراه من حال الصبي إذا نظر إلى جو السماء الوسيعة بمصابيحها المضيئة وزواهرها اللامعة ، وعقود كواكبها المنثورة في حالة مطمئنة نراه يسأل أمه: ما هذه التي أشاهدها وأمتلىء من حبها والإعجاب بها؟ من الذي علقها هناك؟ من الذي نورها؟ من الذي صنعها؟.
غير أن الذي لا نرتاب فيه أن هذا الإنسان إنما يبدأ في سؤاله من حقائق الأشياء التي يشاهدها ويتعجب منها بالذي يقرب مما كان يعرفها في حال التوحش والانعزال عن المجتمع وإنما يسأل عن المقاصد والغايات التي لا يقع عليها الحواس.
وذلك لأن الإنسان إنما يستعلم حال المجهولات بما عنده من مواد العلم الأولية فلا ينتقل من المجهولات إلا إلى ما يناسب بعض ما عنده من المعلومات ، وهذا أمر ظاهر محسوس من حال بعض بسائط العقول كالصبيان وأهل البدو إذا صادفوا أمورا ليس لهم بها عهد فإنهم يبدءون باستعلام حال ما يستأنسون بأمره بعد الاستيناس فيسألون عن حقيقته وعن أسبابه وغاياته.
والإنسان المفروض وهو الإنسان الفطري الأولي تقريبا لما لم يشتغل إلا بأبسط أسباب المعيشة لم يشغل ذهنه ما يشغل ذهن الإنسان المدني الحضري الذي أحاطت به هذه الأشغال الكثيرة الطبيعية الخارجة عن الحد والحصر التي لا فراغ له عنها ولو لحظة ، ولذلك كان الإنسان المفروض في فراغ من الفكر وخلاء من الذهن ، والحوادث الجمة السماوية والأرضية الكونية محيطة به من غير أن يعرف أسبابها الطبيعية فلذلك كان ذهنه أشد استعدادا للانتقال إلى سببها الذي هو أعلى من الأسباب الطبيعية وهو الذي يتنبه له الإنسان الحضري بعد الفراغ عن إحصاء الأسباب الطبيعية لحوادث الكون فوق هذه الأسباب لو وجد فراغا ، ولذا كان الأسبق إلى ذهن هذا الإنسان المفروض هو الانتقال إلى هذا السبب الأعلى لو شاهد من الناس الحضريين الاشتغال به والتنسك والعبادة له.
ومن الشواهد على هذا الذي ذكرنا ما نجد أن الاشتغال بالمراسم الدينية والبحث عن اللاهوت في آسيا أكثر رواجا وأغلى قدرا منه في أوروبا ، وفي القرى والبلاد الصغيرة أحكم موقعا منه في البلاد العظيمة وعلى هذه النسبة في البلاد العظيمة والسواد الأعظم لما أن المجتمع كلما اتسع نطاقه زادت فيه الحوائج الحيوية ، وكثرت وتراكمت الأشغال الإنسانية فلم تدع للإنسان فراغا تستريح فيه نفسه إلى معنوياتها وتتوجه إلى البحث عن مبدئها ومعادها.
وبالجملة إذا راجعنا قصة إبراهيم (عليه السلام) المودعة في هذه الآيات وما يناظرها من آيات سورة مريم والأنبياء والصافات وغيرها وجدنا حاله (عليه السلام) فيما يحاج به أباه وقومه أشبه شيء بحال الإنسان البسيط المفروض نجده يسأل عن الأصنام ويباحث القوم في شأنها ويتكلم في أمر الكوكب والقمر والشمس سؤاله من لا عهد له بما يصنعه الناس وخاصة قومه الوثنيون في الأصنام يقول لأبيه وقومه:"ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون": الأنبياء: 52 ويقول لأبيه وقومه:"ما تعبدون. قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين. قال هل يسمعونكم إذ تدعون. أو ينفعونكم أو يضرون. قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون": الشعراء: 74.