فهرس الكتاب

الصفحة 1417 من 4314

فهذا كلام من لم ير صنما ولم يشاهد وثنيا يعبد صنما وقد كان (عليه السلام) في مهد الوثنية وهو بابل كلدان ، وقد عاش بينهم برهة من الزمان فهل كان مثل هذا التعبير منه (عليه السلام) :"ما هذه التماثيل"تحقيرا للأصنام وإيماء إلى أنه لا يضعها الموضع الذي يضعها عليه الناس ولا يقر لها بما أقروا به من القداسة والفضل كأنه لا يعرفها كقول فرعون لموسى (عليه السلام) :"و ما رب العالمين": الشعراء: 23 وقول كفار مكة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما حكى الله تعالى:"و إذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أ هذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون": الأنبياء: 36.

لكن يبعده أن إبراهيم (عليه السلام) ما كان يستعمل في خطاب أبيه آزر إلا جميل الأدب حتى إذا طرده أبوه وهدده بالرجم قال له إبراهيم:"سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا": مريم: 47.

فمن المستبعد أن يلقي إليه أول ما يواجهه من الكلام ما يتضمن تحقير شأن آلهته المقدسة عنده في لحن التشويه والإهانة فيثير به عصبيته ونزعته الوثنية ، وقد نهى الله سبحانه في هذه الملة التي هي ملة إبراهيم حنيفا عن سب آلهة المشركين لئلا يثير ذلك منهم ما يواجهون المسلمين بمثله قال تعالى:"و لا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم": الأنعام: 108.

ثم إنه (عليه السلام) بعد الفراغ مما حاج به أباه آزر وقومه في أمر الأصنام يشتغل بأربابها وهي الكوكب والقمر والشمس فيقول لما رأى كوكبا:"هذا ربي"ثم يقول لما رأى القمر بازغا:"هذا ربي"ثم يقول لما رأى الشمس بازغة:"هذا ربي هذا أكبر"وهذه التعبيرات أيضا تعبير من كأنه لم ير كوكبا ولا قمرا ولا شمسا ، وأوضح التعبيرات دلالة على هذا المعنى قوله (عليه السلام) في الشمس: هذا ربي هذا أكبر فإن هذا كلام من لا يعرف ما هي الشمس وما هما القمر والكوكب غير أنه يجد الناس يخضعون لها ويعبدونها ويقربون لها القرابين كما يرويه التاريخ عن أهل بابل ، وهذا كما إذا رأيت شبح إنسان لا تدري أ رجل هو أو امرأة تسأل وتقول: من هذا؟ تريد الشخص لأنك لا تعلم منه أزيد من أنه شخص إنسان فيقال: امرأة فلان أو هو فلان ، وإذا رأيت شبحا لا تدري إنسان هو أو حيوان أو جماد تقول ما هذا؟ تريد الشبح أو المشار إليه إذ لا علم لك من حاله إلا بأنه شيء جسماني أيا ما كان فيقال لك: هذا زيد أو هذه امرأة فلان أو هو شاخص كذا ففي جميع ذلك تراعي - وأنت جاهل بالأمر - من شأن أولي العقل وغيره والذكورية والأنوثية مقدار ما لك به علم ، وأما المجيب العالم بحقيقة الحال فعليه أن يراعي الحقيقة.

فظاهر قوله (عليه السلام) : هذا ربي وقوله:"هذا ربي هذا أكبر"أنه ما كان يعرف من حال الشمس إلا أنه شيء طالع أكبر من القمر والكوكب يقصده الناس بالعبادة والنسك والإشارة إلى مثل هذا المعلوم إنما هو بلفظة"هذا"بلا ريب ، وأما أنها شمس أي جرم أو صفحة نورانية تدبر العالم الأرضي بضوئها وترسم الليل والنهار بسيرها بحسب ظاهر الحس أو أنه قمر أو كوكب يطلع كل ليلة من أفق الشرق ويغيب فيما يقابله من الغرب فلم يكن يعرف ذلك على ما يشعر به هذا الكلام ، ولو كان يعرف ذلك لقال في الشمس: هذه ربي هذه أكبر أو قال: إنها ربي إنها أكبر كما راعى هذه النكتة بعد ذلك فيما حاج الملك نمرود وقد كان يعرفها اليوم:"فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب": البقرة: 258 فلم يقل: فأت به من المغرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت